مقترحات بخصوص اختصاصات المؤسسة الأممية المعنية بالمفقودين في سوريا

في 29 حزيران 2023، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 77/301 الذي أنشأ “المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين” وتم تفويضها مهمة “توضيح مصير ومكان وجود جميع المفقودين في الجمهورية العربية السورية وتقديم الدعم الكافي للضحايا والناجين وأسر المفقودين، بالتعاون الوثيق والتكامل مع جميع الجهات الفاعلة المعنية”.

وقد طلبت الجمعية العامة من الأمين العام للأمم المتحدة، بدعم من المفوضية السامية لحقوق الإنسان وبالتشاور مع جميع الجهات الفاعلة المعنية- بما في ذلك المشاركة الكاملة والمجدية للضحايا والناجين والأسر- تطوير اختصاصات المؤسسة في غضون 80 يوم عمل.

تقدم هذه الورقة بعض الأفكار والمقترحات من قبل مجموعة من منظمات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية للمفوضية السامية لحقوق الإنسان لتساهم بصياغة اختصاصات المؤسسة الجديدة.

  • قيادة المؤسسة:

  في حين أن العمل على كشف مصير المفقودين في سوريا عمل يتطلب خبرات تقنية متنوعة من المحققين، إلى خبراء التحقيقات المفتوحة المصدر، وخبراء صور الأقمار الصناعية، وصولاً إلى اختصاصي الطب الشرعي، إلا أن معضلة المفقودين في سوريا هي قضية سياسية في المقام الأول ورفض إطلاق سراح المعتقلين وكشف مصير المفقودين في سوريا هو موقف سياسي تتخذه الأطراف المشاركة في هذه الجريمة، وعلى رأسها الحكومة السورية، التي هاجمت الآلية وأدانت قرار إنشاءها.

ترى المنظمات الموقعة على هذه الورقة ضرورة أن تتمتع رئاسة المؤسسة الجديدة برتبة رفيعة المستوى في الأمم المتحدة (نائب أو مساعد أمين عام)، وأن تكون شخصية دولية معروفة ذات وزن دبلوماسي ملائم لحجم التحديات المرتبطة بعمل المؤسسة. يتطلب نجاح عمل المؤسسة بناء إرادة سياسية وتوافقات سياسية بين عدة أطراف دولية وإقليمية، وأيضاً التفاوض مع أطراف النزاع السوري ومع العديد من الدول في ملفات معقدة من بينها العقوبات الدولية على سوريا وإعادة الإعمار والمساءلة الدولية. لا يمكن تصور نجاح المؤسسة دون دور قيادي ووزن دبلوماسي واضح من قيادة المؤسسة.

  • الولاية الزمانية للمؤسسة الجديدة:

قضية الاختفاء القسري في سوريا قديمة قدم سوريا الحديثة، ولا تقتصر فقط على حالات الاختفاء القسري بعد عام 2011، ولا تطال السوريين وحدهم. ففي سوريا، فقد آلاف المعتقلون السياسيون في حقبة الثمانينات، ومن بينهم سجناء سياسيون فلسطينيون ولبنانيون أيضاً، بعضهم خطف من لبنان وأصبح في عداد المفقودين.

تبرز حالة المفقودين في سوريا بعد 2011 بشكل أكبر لأسباب كثيرة، لعل منها التغطية الإعلامية المكثفة التي حظي بها ملف “صور قيصر”، نضال أهالي وعائلات المفقودين في سوريا، وأيضاً الأعداد الكبيرة التي فقدت بعد عام 2011 وجهود المنظمات الحقوقية السورية في توثيق هذه الحالات. إلا أن ذلك لا يعني أن دور المؤسسة الجديدة يجب أن يقتصر على ما بعد 2011.

وبالمثل، لم يقتصر الاختفاء القسري في سوريا على السوريين فقط، بل شمل أجانب من دول الجوار، مقاتلين أجانب وصلوا للقتال في سوريا، وعدد من الرهائن الأجانب ممن عملوا في الإعلام أو متطوعين في المؤسسات الإنسانية الدولية.

في حين تلاحظ المنظمات الموقعة على هذه الورقة أن القرار رقم 301 يوحي إلى اقتصار الولاية الزمانية للمؤسسة الجديدة على المفقودين في سوريا بعد عام 2011، إلا أنها ترى أيضاً ضرورة البحث ومعرفة مصير المفقودين في السنوات السابقة؛ وعليه، تقترح المنظمات الموقعة على هذه الورقة ضرورة إنشاء فريق فرعي متخصص بحالات الفقدان قبل 2011. بذلك تحافظ الآلية على اختصاصها وفقاً للقرار لكن لا تستثني حالات المفقودين السابقين على عام 2011.

  • تمثيل شامل ومتنوع لأسر المفقودين والضحايا

يشير قرار الجمعية العامة لإنشاء المؤسسة المستقلة تضمين “عنصر هيكلي” يضمن “مشاركة الضحايا والناجين وأسر المفقودين وتمثيلهم بشكل كامل ومجد في تشغيلها وعملها وأن تعمل مع المنظمات النسائية ومنظمات المجتمع المدني الأخرى بطريقة منتظمة ومستمرة”.

تثمن المنظمات الموقعة على هذه الورقة إصرار ووضوح قرار الجمعية العامة على مشاركة الضحايا والناجين وأسر المفقودين وتمثيلهم بشكل كامل ومجد، وتؤكد ضرورة أن يأخذ هذا التمثيل بعين الاعتبار تنوع مجتمعات المفقودين السوريين وبالتالي تعدد مجموعات الضحايا وأسر المفقودين، وتطالب بضمان تمثيل شامل وعادل لمجموعات الضحايا وأسر المفقودين من مختلف الخلفيات الجغرافية، الدينية والقومية، والسياسية، والسماح بإيصال أصوات الضحايا وذويهم من الأجانب ممن فقدوا على الأراضي السورية.

ترى المنظمات الموقعة على هذه الورقة ضرورة إنشاء “مجلس استشاري” يتيح لمجموعات الضحايا المشاركة الفعالة في تشغيل المؤسسة، مع ضمان تنوع وتعدد مجموعات الضحايا المشاركة في هذا المجلس. كما ترى المنظمات الموقعة على ضرورة وضع معايير واضحة لاختيار الممثلين من مجتمعات الضحايا بحيث تضمن الشفافية والوضوح. كما تطالب المنظمات أن يكون دور ممثلي الضحايا تطوعي لضمان عدم تضارب المصالح، وتشدد على ضرورة احترام مبادئ السرية والموافقة المستنيرة المتعلقة بمشاركة بيانات المفقودين من قبل الأهالي أو من قبل المنظمات العاملة في التوثيق وجمع الأدلة.

  • مسار تقني مخصّص للمنظمات العاملة في التوثيق وجمع الأدلة والمنظمات النسائية

لا يخفى على أي طرف الدور الهام الذي لعبته المنظمات العاملة في التوثيق وجمع الأدلة وبعض المنظمات الدولية في توثيق الاعتقالات في سوريا وتوثيق حالات الاختفاء القسري، التحقيقات السياقية وكشف جرائم متعددة تم فيها إخفاء الضحايا وحرقهم وتصفيتهم ودفنهم في مقابر جماعية في بعض الحالات.

تثمن المنظمات الموقعة على هذه الورقة تضمين قرار الجمعية العامة ضرورة أن تعمل المؤسسة المستقلة “مع المنظمات النسائية ومنظمات المجتمع المدني الأخرى بطريقة منتظمة ومستمرة”، وترى ضرورة تخصيص مسار تقني متخصص ومنفصل عن المسارات الأخرى لعمل المؤسسة، يتيح للمنظمات العاملة في التوثيق وجمع الأدلة مشاركة البيانات والأدلة بشكل مباشر مع المؤسسة ويحترم قواعد السرية والأمان والموافقة المستنيرة، ويتيح للمنظمات بمناقشة منهجية العمل، والتحقيقات ومساعدة المؤسسة بجمع أدلة محددة، كل منظمة حسب عملها واختصاصها التقني أو الجغرافي، ويشمل هذا المسار المنظمات المتخصصة الدولية والسورية معاً. وأيضاً يسمح للمنظمات النسائية بتقديم الدعم التقني اللازم لضمان أن تكون مسيرة عمل المؤسسة حساسة للتنوع الجندري في صفوف المفقودين وأيضاً الأثر غير المتناسب لجريمة الإخفاء القسري على النساء.

  • ضبط التوقعات بخصوص الدعم المتوقع للضحاياوالناجين وأسر المفقودين والحيلولة دون تأثير الدعم الاقتصادي على مصداقية التوثيق

 لا تقتصر معاناة المفقودين على فترات الاحتجاز والإخفاء. نجى عدد ليس بقليل من السوريين والسوريات من غياهب الفقدان لدى أطراف مختلفة داخل سوريا. نجح بعضهم في الوصول إلى دول ثالثة آمنة حيث إمكانية الحصول على دعم طبي ونفسي متاحة بشكل أكبر من أولئك الذين بقوا في سوريا أو في دول الجوار.

 كما لا تقتصر معاناة أهالي المفقودين على اختفاء أحبائهم وذويهم، بل تتعداها إلى ترك عائلات دون دعم كاف، بما في ذلك الدعم القانوني الذي قد يشمل تسجيل الولادات الحديثة من آباء مفقودين لحظة ولادة أطفالهم، وصولاً إلى استصدار أوراق ثبوتية، والسماح بالسفر خارج القطر بشكل قانوني، وصولاً إلى إجراءات قانونية معقدة مرتبطة بالممتلكات، الإرث ونقل الملكيات العقارية.

تثمن المنظمات الموقعة على هذه الورقة على وضوح قرار الجمعية العامة بـدور المؤسسة بـ “تقديم الدعم الكافي للضحايا والناجين وأسر المفقودين، بالتعاون الوثيق والتكامل مع جميع الجهات الفاعلة المعنية”، وترى ضرورة توضيح الدعم الممكن تقديمه للضحايا والناجين وأسرهم بشكل مبكر منذ بدء عمل المؤسسة، وضرورة ضبط التوقعات لدى الأطراف المستحقة للدعم، كما تؤكد على ضرورة تصميم برامج الدعم لتضمن الفئات الأكثر احتياجاً للدعم، والأقل وصولاً (في المخيمات مثلاً، في صفوف النازحين والداخل السوري ودول الجوار).

تشعر المنظمات الموقعة على هذه الورقة بالقلق من تأثير أشكال الدعم الاقتصادي، إن حصل، على مصداقية التوثيق وجمع المعلومات حول المفقودين المنوطة بالمؤسسة الجديدة. لا يخفى على أحد تدهور الوضع الاقتصادي في سوريا، لكن تقديم المؤسسة الجديدة للدعم الاقتصادي سيشكل حافزاً مادياً للبعض للتقدم بتوثيق شخص من عائلتهم على أنه مفقود ليصبحوا في عداد العائلات التي تحصل على الدعم الاقتصادي.

ترى المنظمات الموقعة على أن حصر الدعم بالتقني، النفسي، الطبي والقانوني قد يشكل مساراً أسلم لعمل المؤسسة الجديدة ويجنبها أي تأثير ممكن للعامل المادي أن يسببه. لكن في حال قررت المؤسسة المضي بتقديم الدعم الاقتصادي فمن الممكن القيام ذلك عبر آليات ومنظمات شريكة، تقدم المساعدة الاقتصادية دون التأثير على مجريات عمليات التوثيق. كذلك، على المؤسسة أن تكون واضحة بأن الحصول على مثل هذا الدعم المؤقت لا يشكل برنامجاً لجبر الضرر، كما لا يكرس الاعتراف بالإخفاء القسري الذي قد يقدمه برنامج جبر ضرر وطني.

المنظمات الموقعة:

المركز السوري للعدالة والمساءلة

سوريون من أجل الحقيقة

العدالة من أجل الحياة

أورنامو

رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا

المركز السوري للإعلام وحرية التعبير

اليوم التالي

جمعية المعتقلين السياسيين اللبنانيين في السجون السورية

رابطة معتقلي سجن عدرا

جمعية ليلون للضحايا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *