سوريا/عفرين: استمرار الانتهاكات ضد المدنيين في المنطقة ووعود الحكومة الانتقالية لاتزال معلّقة

شهدت منطقة عفرين في شمال غرب سوريا العديد من التغيرات الأمنية والعسكرية منذ عملية “غصن الزيتون” وسيطرة فصائل الجيش الوطني سابقاً، المنضوية ضمن الحكومة حالياً، والقوات التركية على المنطقة في 18 آذار/مارس 2018، إلى عملية “ردع العدوان” التي أدت إلى سقوط النظام السابق، ورغم أن تحرير المنطقة كان يُفترض أن يؤدي إلى استقرارها وتوفير الحماية للمدنيين، إلا أن الواقع الأمني شهد تصاعداً مستمراً في أعمال العنف والانتهاكات، بما في ذلك عمليات القتل، التهجير القسري، الاعتقال، والابتزاز.

بعد سقوط النظام السوري السابق في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 وتشكيل السلطة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، تعهّدت الحكومة الجديدة بجملة من الإجراءات السياسية والحقوقية تهدف إلى إعادة بناء الثقة وضمان الحقوق الأساسية للمواطنين، وعلى رأسها تحقيق عودة آمنة وطوعية للمهجرين قسراً، وإرساء أسس العدالة وحماية السكان الأصليين في المناطق المتأثرة بالنزاع والنزوح.

وفي هذا السياق، قام الرئيس أحمد الشرع في شباط/فبراير 2025 بزيارة رسمية إلى مدينة عفرين بريف حلب، حيث التقى بوجهاء محليين وأهالٍ من المنطقة، مستمعاً إلى شكاواهم، خصوصاً ما يتعلق منها بانتهاكات الفصائل المسلحة والاعتقالات التعسفية. وأكد الشرع خلال تلك الزيارة وفقاً لما نقلته شبكة محلية “رووداو”، بالتزام الحكومة الانتقالية بإعادة الأمن، ووقف الانتهاكات، وإنشاء خط ساخن للإبلاغ عن الاعتداءات، كما أعلن عن فتح باب تسجيل أبناء المدينة للانضمام إلى جهاز الشرطة المحلي كخطوة لتعزيز الثقة المجتمعية.

إلا أن هذه الوعود ما تزال، حتى اليوم، دون تنفيذ فعلي على الأرض. فبدلاً من أن تشهد المنطقة خطوات ملموسة نحو التهدئة، تتوالى التقارير عن استمرار الانتهاكات ضد المدنيين والممتلكات العامة، ما يضع مصداقية المرحلة الانتقالية أمام اختبار حقيقي.

يوثق هذا التقرير أبرز الانتهاكات التي وقعت في منطقة عفرين خلال الأشهر القليلة الفائتة، ويظهر تداعيات الفلتان الأمني على المدنيين في المنطقة.

في 5 تموز/يوليو 2025، تعرض المواطن “بدري محمد علي” (70 عاماً) لاعتداء جسدي عنيف من قبل مسلحين ملثمين أثناء توجهه بسيارته إلى بستانه في محيط مفرق قرية “ديكه” التابعة

يقول “س.ع” أحد أقارب الضحية لباحث ليلون عن حيثيات الحادثة:

” في تمام الساعة العاشرة والنصف صباحاً من يوم السبت الموافق 5 تموز/يوليو 2025 ، تم الاعتداء على المسن بدري عبر أداة زراعية بعد نزعها منه بالقوة من قبل مسلحين اثنين كانا يستقلان دراجة نارية، أثناء عمله في بستانه في قرية ديكيه التابعة لناحية راجو والتي يقيم فيها قسراً ، مما أدى إلى إصابته بجروح بالغة في الرأس، ثم سرقت سيارته والمال الذي كان بحوزته وهاتفه المحمول ونقل على إثرها إلى مشفى في مدينة عفرين”

ويكمل:

“لقد هجر بدري من قريته الجبلية/جيه التابعة لناحية راجو منذ عام 2018، ويمنع حتى اليوم من العودة إليها بعد تحويلها إلى منطقة عسكرية مغلقة”.

كما رصدت مشاهد مصورة نشرتها وسائل إعلام محلية “نورث برس”، في 28 حزيران/يونيو 2025، تعرض المستودع الأثري في تلة عين دارة (Girê Endarê) جنوب مدينة عفرين لعمليات تخريب ونهب. المستودع، الذي كان يضم آلاف القطع الأثرية المكتشفة سابقاً من قبل بعثات أثرية، كان قد تم تحويله إلى مقر عسكري لفصيل “أحرار الشام” التابع للجيش الوطني السوري والمنضوي في وزارة الدفاع حالياً.

وبحسب التحقيق، أقدم عناصر الفصيل على تدمير المكاتب الإدارية وسرقة باب المستودع وعدد من محتوياته، قبيل انسحابهم من الموقع.

ووثق باحثو ليلون حالة مقتل الطفل “مصطفى جميل شيخو” البالغ من العمر (16 عاماً)، في قرية حج حسنلي التابعة لناحية جنديرس، بتاريخ 18 حزيران/يونيو 2025، خلال محاولته التصدي لعملية سرقة قامت بها مجموعة مسلحة استهدفت ألواح الطاقة الشمسية المثبتة في قريته.

تقول “م.ح” إحدى أقارب الضحية لليلون عن حيثيات مقتل الطفل:

“كان الطفل مصطفى يشارك في حراسة ممتلكات القرية الزراعية برفقة والده وعمه وعدد من الشبان، بعد تكرار حوادث السرقة في المنطقة، وتحديداً على تخوم قرية سنارة التابعة لناحية شيخ الحديد، والتي تقع ضمن قطاع فصيل السلطان سليمان شاه المعروف بالعمشات. وخلال الحراسة الليلية، أقدم أحد اللصوص المسلحين من المستقدمين إلى المنطقة على إطلاق النار عليه، ما أدى إلى إصابته بجروح خطيرة، فارق الحياة على إثرها فجر اليوم التالي في المشفى السوري التخصصي بمدينة عفرين”.

وتكمل قريبة الضحية لباحث ليلون:

“رغم وعود المسؤولين المحليين بمتابعة القضية، لم تعلن نتائج التحقيق حتى الآن، ولم يعرف ما إذا جرى توقيف الجاني أو تقديمه للعدالة، كما خرجت تظاهرة شبابية قرب دوّار نوروز بمدينة عفرين تطالب بمحاسبة الفاعلين بعد أيامٍ من

الجريمة، إلا أن الأجهزة الأمنية قمعت التجمع واعتقلت عدداً من المشاركين، قبل أن تفرج عنهم لاحقاً”.

وفي الفترة ما بين 5 إلى 13 نوفمبر 2025، شهدت منطقة عفرين عدة جرائم متتالية، ما يعكس الفوضى الأمنية المستمرة في المنطقة. من بين الضحايا، شكري أحمد أوسو، محمد عبدو درويش، مصطفى محمد عيسو سيدو، و إبراهيم أحمد ياسين، الذين قُتلوا جميعهم في ظروف غامضة، ما يعكس تصاعد الفوضى الأمنية.

فبتاريخ 5 تشرين الثاني / نوفمبر 2025، تعرض المواطن المسن شكري أحمد أوسو (70 عاماً) من أهالي قرية كفرزيت، لإطلاق نار من قبل مجهولين أثناء تواجده على جراره الزراعي.

تقول م.أ إحدى أقارب الضحية لباحث ليلون حول حيثيات الحادثة:

” كان الضحية عائداً من معصرة زيتون قريبة من قريتنا، ليعترضه مجهولون ويطلقوا النار عليه . هرع أهل القرية إلى مكان الحادثة بعد سماع صوت الرصاص ليسفر الهجوم عن فقدان الضحية لحياته على الفور بينما لاذ الجاني بالفرار”.

وأكدت مصادر مقربة لليلون عن تعرض المواطن محمد عبدو درويش (57 عاماً) لإطلاق نار من مسلحين ملثمين داخل خيمته في سهل غزاوية، بتاريخ 6 تشرين الثاني / نوفمبر 2025، مما أدى إلى فقدانه لحياته على الفور أمام زوجته في وقت متأخر من الليل.

وفي أوائل شهر تشرين الأول/أكتوبر 2025، تعرضت عدد من العائلات العائدة إلى منطقة عفرين لعملية ابتزاز من قبل مختار قرية مروية المدعو “حنيف بلو مراد”، حيث أُجبِرَت كل عائلة على دفع مبلغ تراوح بين 1000 دولار أمريكي لاستعادة أراضيها، ولكنهم لم يستلموا أملاكهم حتى لحظة إعداد التقرير.

تقول ز.م وهي إحدى أقارب العائدين لباحث/ ة ليلون:

“لقد أجبرت العوائل العائدة إلى قرية خلالكه/مروية على دفع مبالغ متفاوتة لمختار القرية الملقب بأبو ريناس ، تراوحت لمايقارب ألف دولار لكل عائلة وهم كلٌ من:

١ : رمزي حسين بريمو

٢ : محمد حسين بريمو

٣ : صبري حسين بريمو

٤ : عبدالقادر حسين بريمو

٥ : خليل محمد هورو

٦ : محمد محمد هورو

٧ : قادر محمد هورو

٨ : صبري محمد حمو

٩ : توفيق محمد داوود

١٠ : عمر رشيد شيخ قنبر

١١ : عبدالقادر رشيد شيخ قنبر

١٢ : رشيد رشيد شيخ قنبر

١٣ : شيخ موس أحمد خليل

١٤ : رجب محمد حمو

١٥ : شكري محمد حمو

ألّا أنهم لم يستلموا أملاكهم إلى حين اللحظة”.

وبتاريخ 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، تعرض المواطن بشير حميد محمد (63 عاماً) وهو مختار قرية صاري اوشاغي التابعة لناحية معبطلي/موباتو في عفرين، لإطلاق نار من قبل نازحين تابعين لعشيرة الوالي الذين يقيمون في القرية أثناء تواجده في أرضه الزراعية، وقد أسفر الهجوم عن إصابته بجروح خطيرة، وتم نقله إلى المستشفى التخصصي في عفرين.

يقول ح.ر أحد أقارب الضحية لباحث ليلون:

“في فترة ما بعد الظهر، تعرض العم بشير محمد لإطلاق نار من نازحين تابعين عشيرة الموالي، وهم ينتمون لفصيل “محمد الفاتح”، وقد وقعت الحادثة أثناء تجوله في أرضه مع بعض معارفه ومشاهدته أولئك النازحين وهم يقطفون الزيتون من مسافة مئتي متر ، ليقدم أحدهم بإطلاق النار عليه بعد توعد الضحية بمحاسبتهم، ليتم نقله إلى المشفى التخصصي السوري في مدينة عفرين وحالته لا تزال قيد المراقبة”.

و بتاريخ 16 نوفمبر 2025، تعرض المواطن محمود شكري محمد ( 50 عاماً ) لإطلاق نار من مسلحين مجهولين أثناء وجوده في محل لصيانة السيارات في قرية ميدانكي. أسفر الهجوم عن إصابته بجروح خطيرة.

وحسب شهود مقربين من الضحية، تحدث م.أ وهو أحد أقارب الضحية لباحث ليلون قائلاً:

“أُصيب الضحية بطلق ناري من قبل مجهولين أثناء تواجده في محلهم الواقع على طريق قرية ميدانكي في الساعة الخامسة والنصف صباحاً، بعد أن حاول مسلحون مجهولون فتح الباب واستيقاظ الابن والأب آنذاك، فقاموا بإطلاق النار مما أدى إلى إصابة الأب بإصابة وعائية وكسور في القدم اليمنى، إضافة إلى إصابات وعائية متفرقة في القدم اليسرى، ليتم نقله المصاب على الفور إلى المشفى السوري التخصصي في المدينة”.

رأي قانوني

بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يُعد من أهم المعاهدات الدولية التي تضمن حقوق الإنسان، فإن جميع الدول ملزمة بحماية الحق في الحياة والحرية والأمان الشخصي. وعليه، فإن الفشل في حماية المدنيين في عفرين يمثل انتهاكًا لهذه الالتزامات الدولية. كما أن اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر الهجمات ضد المدنيين في المناطق المحتلة أو المتأثرة بالنزاع، تشدد على ضرورة توفير الحماية لكل من المدنيين والأعيان المدنية.

من جهة أخرى، يعكس العجز في توفير الأمن في المنطقة إخفاقاً في تطبيق القوانين المحلية والدولية الخاصة بحماية حقوق الإنسان. وغياب المحاسبة في الجرائم المرتكبة يشكل إخلالاً بالعدالة.

كما أصدرت وزارة العدل في الحكومة الانتقالية قراراً اعتبرت بموجبه أن جميع الأحكام التي صدرت عن محاكم الشمال تعتبر سارية ونافذة في الدولة السورية. وهذا القرار خطير إذ أنه يشرعن القرارات التي اتخذتها المحاكم التابعة للفصائل، والتي كانت تعمل تحت توجيهات المنسق التركي، وصدرت الكثير من الأحكام التي لم تراع ضمانات الدفاع، وكانت أداة لمعاقبة معارضي سلطات الأمر الواقع. وبالتالي تكريس الظلم الذي وقع خصيصاً على أهالي منطقة عفرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *