ورقة موقف من جمعية ليلون على خلفية الأحداث الأخيرة في حلب

تتابع جمعية ليلون للضحايا بقلق بالغ التطورات الأخيرة في المشهد السوري، ولا سيما تصاعد خطاب الكراهية والتحشيد العنفي على أساس قومي (عربي–كردي)، وذلك في أعقاب الأحداث المؤسفة التي شهدتها مدينة حلب، وتحديداً في حيي الشيخ مقصود والأشرفية. وانطلاقاً من مسؤوليتنا الحقوقية، نود توضيح ما يلي:

أولاً:
تأسست جمعية ليلون للضحايا في أعقاب الأحداث التي شهدتها منطقة عفرين، وما رافقها من انتهاكات واسعة النطاق ارتكبتها فصائل الجيش الوطني السوري، في سياقٍ من الانتهاكات التي ما تزال قائمةً حتى اليوم. فمنذ دخول هذه الفصائل إلى المنطقة، ارتُكبت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، شملت القتل خارج نطاق القانون، والاعتقال والإخفاء القسري، والتعذيب، والاغتصاب، والاستيلاء على الأموال والمنازل والأراضي الزراعية، فضلاً عن سياسات التغيير الديموغرافي التي طالت المنطقة.

ثانياً:
إن الانتهاكات التي وقعت في عفرين لم تكن معزولة، بل جاءت مدعومة بمنظومة قضائية شرعنت حماية المنتهكين ومعاقبة الضحايا، وتشكل هذه المنظومة القضائية جزءً لا يتجزأ من منظومة الارتكاب، وتسهم بشكل مباشر في تقويض الحق في الوصول إلى العدالة، وفي الغياب شبه الكامل لسيادة القانون.

ثالثاً:
عقب سقوط النظام السابق وتشكيل الحكومة الجديدة، علق أهالي عفرين آمالاً كبيرة على إنهاء مظالمهم. إلا أن مرور أكثر من عام دون تحقيق أي تقدّم ملموس زاد من خيبة الأمل، حيث لم يتم حتى الآن الكشف عن مصير المفقودين، أو تسليم رفات القتلى، فيما ما تزال البيوت والمحاصيل الزراعية عرضة للاستيلاء والنهب من قبل عناصر الفصائل. وقد تفاقمت المعاناة مع بقاء كبار المنتهكين في مواقع قيادية داخل الجيش، في ظل اندماج شكلي للفصائل لم يؤدِّ إلى تفكيك بنيتها أو إلى محاسبة مرتكبي الجرائم الدولية، في انتهاك صريح لواجبات التحقيق والملاحقة القضائية.

رابعاً:
تعد النسبة الأكبر من سكان حيي الشيخ مقصود والأشرفية نازحين من منطقة عفرين السورية منذ عملية غصن الزيتون في 18 مارس/آذار 2018، حيث اضطروا إلى مغادرتها نتيجة الانتهاكات التي تعرضوا لها. وكان من واجب الحكومة السورية معالجة هذه المظالم ورفعها عن مناطقهم الأصلية، بدلاً من اقتحام مناطق نزوحهم، وهو ما كان من شأنه تجنيب المدنيين مزيداً من الضحايا، ومنع الأثر التراكمي للانتهاكات بحق الفئة ذاتها. إذ لا يجوز، تحت أي ظرف، إضافة انتهاكات جديدة إلى سجل المعاناة الذي تحمله الضحايا مسبقاً.

خامساً:
إن العمليات العسكرية التي استهدفت حيي الشيخ مقصود والأشرفية لم تراعِ قواعد القانون الدولي الإنساني، حيث جرى قصف مناطق مكتظة بالسكان باستخدام وسائل غير دقيقة، في مخالفة صريحة لمبادئ التمييز والتناسب والضرورة، ما أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين وإلحاق أضرار جسيمة بالممتلكات.
كما رافق اقتحام الحيين ارتكاب انتهاكات متعددة، شملت الاعتقال التعسفي، والتمثيل بالجثث، وسرقة المصاغ الذهبي، والتعذيب الجسدي والنفسي، إلى جانب استخدام عبارات طائفية وعنصرية وإهانات بحق المكون الكردي، وهي أفعال ترقى إلى مستوى العقاب الجماعي القائم على الانتماء العرقي أو الارتباط المفترض. وتعمل الجمعية حاليًا على توثيق هذه الانتهاكات، بما في ذلك تحول عدد كبير من الموقوفين إلى حالات إخفاء قسري.

سادساً:
إن بناء وطن يتسع لجميع السوريين والسوريات لا يمكن أن يتحقق عبر الخطابات الإنشائية أو المعارك العسكرية الرامية إلى كسر إرادة الآخرين، بل يتطلب تأسيس عقد اجتماعي جامع، يعترف بالتعدد القومي والديني، ويصون الحقوق والحريات، ويحفظ الكرامة الإنسانية للجميع. ولا سبيل إلى ذلك إلا من خلال حوار وطني شامل، لا عبر الأدوات العسكرية أو منطق الغلبة.

التوصيات
استناداً إلى ما سبق، تدعو جمعية ليلون للضحايا جميع الأطراف المعنية إلى:
الوقف الفوري لخطاب الكراهية والتحريض، ومحاسبة المسؤولين عنه.
رفع المظالم عن أهالي منطقة عفرين، والكشف عن مصير المفقودين، وتسليم المنازل لأصحابها الشرعيين، ورفع يد الفصائل عن المحاصيل الزراعية، ووقف جميع أشكال الانتهاكات.
الاعتراف بالانتهاكات التي تعرض لها أهالي منطقة عفرين منذ دخول الجيش الوطني السوري عقب عملية “غصن الزيتون” والتي ما تزال مستمرة تحت غطاء “الأمن العام”، وتقديم اعتذار رسمي، ومحاسبة مرتكبي الجرائم، وتعويض الضحايا.
ضمان الإفراج الفوري عن الموقوفين من أهالي حيي الشيخ مقصود والأشرفية ممن لم يثبت تورطهم في جرائم، وتأمين محاكمات عادلة وفق الأصول القانونية.
محاسبة جميع المسؤولين عن الانتهاكات المرتكبة خلال العمليات العسكرية في الحيين وما بعدها، أيا كانت طبيعة هذه الجرائم.
ضمان وجود قضاء مستقل ونزيه، وإقصاء القضاة المتورطين في شرعنة الانتهاكات أو التواطؤ مع مرتكبيها.
إطلاق حوار وطني شامل يتيح لجميع السوريين التعبير عن مظالمهم ومخاوفهم وتطلعاتهم، وصولاً إلى عقد اجتماعي عادل يؤسس لسلام مستدام.

اضغط لتحميل الورقة بنسخة PDF 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *