مقدمة:
تمرّ سوريا بتحولات سياسية وأمنية عميقة تترافق مع محاولات تأسيس دولة جديدة، وفي هذا السياق يعود آلاف المهجّرين قسراً إلى منطقة عفرين أملاً في استعادة منازلهم وممتلكاتهم التي هُجّروا منها قبل سنوات. إلا أن هذه العودة تصطدم بواقع مرير، إذ يجد العائدون أنفسهم أمام ممتلكات لا يزال يقطنها أو يسيطر عليها أشخاص محسوبون على فصائل الجيش الوطني، التي اندمجت اليوم في هيكلية الدولة الجديدة تحت مسمى «الأمن العام» أو «الفرق العسكرية التابعة للجيش السوري».
خلال السنوات الماضية، ولا سيما بعد عملية «غصن الزيتون» عام 2018، سُجّلت في عفرين مستويات مرتفعة من الانتهاكات على يد فصائل الجيش الوطني، شملت القتل خارج القانون، والاختفاء القسري، والتعذيب، والاغتصاب، والتهجير القسري، إضافة إلى الاستيلاء الممنهج على المنازل والمحال التجارية والأراضي الزراعية. وعلى الرغم من سقوط نظام الأسد، لم تُعالج هذه الانتهاكات، بل استمرت، خاصة مع تحوّل قادة تلك الميليشيات إلى جزء من مؤسسات الدولة الجديدة، الأمر الذي أعاد إنتاج الخوف لدى المهجّرين الذين كانوا قد لجأوا إلى مناطق متعددة.
تعرض أهالي عفرين لموجات نزوح متكررة، ليتجمعوا مرة أخرى في مدن وبلدات الحسكة والقامشلي الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية. واليوم، ومع الاتفاقات الجارية بين
السلطة الجديدة وقوات سوريا الديمقراطية، التي تتضمن عودة مهجّري عفرين، يجري الإعلان عن تجهيز قوافل العودة.
يكشف هذا التقرير، استناداً إلى توثيقات سابقة للجنة التحقيق الدولية وعشرات التقارير الحقوقية، وإلى الشهادات الحديثة التي تلقتها جمعية «ليلون» من عائدين إلى عفرين، أن العودة لا تعني بالضرورة استعادة الحقوق. فقد فوجئت عائلات كثيرة، عند دخولها المنطقة لاسترجاع منازلها، بطلبات دفع مبالغ مالية كبيرة من الشاغلين الحاليين، أو بمماطلة وتهرّب، وفي حالات عديدة لم تتمكن أعداد كبيرة من العائلات من استعادة ممتلكاتها رغم تقديم الشكاوى. وتشير التقديرات الأولية بأن هناك آلاف من المنازل لا تزال مسكونة من قبل غير مالكيها، إضافة إلى عدد كبير من المحال التجارية، في ظل غياب أي تحقيق فعلي أو آلية واضحة لإنصاف العائدين وردّ الممتلكات المغتصبة.
بعض أنماط الانتهاكات وفق الشهادات الحديثة:
حصلت جمعية ليلون على عدة شهادات حديثة من العائدين على منطقة عفرين، الذين اصطدموا بعدم قدرتهم على العودة إلى مساكنهم، ونبين بعض أنماط الانتهاكات وفق الشهادات بعد ترميز الأسماء بسبب مخاوف الشهود من الإفصاح عن هويتهم.
١ – الابتزاز المالي للوصول إلى المسكن:
يقول الشاهد (خ.ب ) ا”عدت بتاريخ ١٥/١/٢٠٢٦ إلى منزلي في عفرين، ووجدت شخصاً يحمل السلاح يقول لي أنه يتبع لفصيل العمشات، وطلب مني خمسة آلاف دولار حتى يخرج من المنزل”
تقول الشاهدة (ر.س ) “يسكن بيتنا في مدينة عفرين أشخاص يتبعون لفصيل العمشات، ومن ثم خرجوا وسكن أناس آخرون، وبعد خروجنا من الشيخ مقصود ذهبنا إلى بيتنا في عفرين، فقال لنا من يسكن في البيت أنه اشتراه من فصيل العمشات بملبغ ثلاثة آلاف دولار، ولن يخرجوا قبل أن نسدد لهم قيمة منزلنا”
كما تقول الشاهدة (اأ.س ) “يسكن منزلنا في عفرين عنصر من الأمن العام من ادلب، وطلب ألف دولار ليخرج من البيت، وليس معنا هذا المبلغ”
تقول الشاهدة ( م.ع) “بعد سقوط نظام الأسد عدنا إلى قريتنا ، وكان يسكن في منزلنا قيادي من العمشات، وقال لنا أنه لن يخرج من البيت إلا أذا تم نقله من المنطقة، وعدنا مرة ثانية بعد خروجنا من الرقة، فقال لنا أنه لم يتم نقله حتى الآن، ولن يخرج إلا عندما يأتي قرار نقله، وحتى لو خرج يتوجب علينا دفع المصاريف التي صرفها على المنزل”
ويقول الشاهد (ف.ل ) اسم مستعار “لدي ثلاث منازل ومتجر، لم استطع الوصول إليهم، جميعهم مسكونون من قبل غرباء، أحد البيوت يسكنه عنصر من الأمن العام، ومنزلين يسكنهم مهجرون من مناطق أخرى، جميعهم يرفضون الخروج”
تقول الشاهدة (ان.ك) عدت إلى ضيعتي أنقلة، ومنذ أربعة أشهر انام في بيوت الناس، لأن بيتي يسكنه عنصر من العمشات، ويسكنه منذ ثلاث سنوات ويرفض الخروج”
أما الشاهدة (ه.ل) فتقول “رغم أن منزلنا لا يسكنه أحد لكن من كان يسكنه ولديه المفتاح يمنع دخولنا ويطلب مبلغ ألف يورو ليسمح لنا بالدخول إلى منزلنا”
ويقول الشاهد (ر.ت )اسم مستعار ” عدت إلى منزلي في عفرين، ولكن من يسكنه منذ ستة سنوات يرفض الخروج منه، ولا أستطيع فعل شيء كون من يأخذ بيتي هو من قضاة المنطقة”
٢ – غياب آليات الشكوى والتظلم:
يقول الشاهد (خ.ب) “تقدمت بشكوى لمديرية المنطقة، لكن دون نتيجة، وفهمت منهم أنهم غير قادرين على إخراج الشخص الذي يستولي على بيتي لأنه يتبع للعمشات”
كما تقول الشاهدة (أ.س) “عندما طالبنا عنصر الأمن العام الذي يستولي على منزلنا بالخروج هددنا بأنه سيقوم بالشكوى علينا بأننا نتبع لحزب العمال الكردستاني إن طالبنا مجدداً بالمنزل، ونحن نخاف من الشكوى كونه لديه وصول وقد نتعرض للأذى”
تقول الشاهدة (أم.ع) “إن من يستولي على بيتنا ذو منصب عالي من العمشات ونخاف من الشكوى عليه، خاصة أنني تعرضت للسجن لمدة ست سنوات في عفرين دون أي ذنب”
يقول الشاهد (ف.ل) “إن منازلي الثلاث يسكنها أشخاص يرفضون الخروج، ولا أستطيع الشكوى عليهم لأن أحدهم عنصر بالأمن العام، والآخرين لديهم أقرباء في الأمن العام ويهددوننا بهم، وبسبب الكثير من القصص التي سمعتها عن قدرتهم على الانتقام، لم أتقدم بأي شكوى”
وتقول (ه.ل) “تقدمنا بشكوى على من يأخذ بيتنا، ورغم أنه لا يسكنه والمنزل فارغ، لكن لم نستفد من الشكوى ولم يتحرك أحد ليساعدنا بالوصول إلى منزلنا”
ويقول الشاهد ( ر.ت ) ” على من أشتكي إذا كان من يأخذ بيتنا هو (قاضي)”
٣ – وجود قواعد عسكرية تمنع العودة:
العديد من سكان عفرين لم يستطيعوا العودة إلى مساكنهم بسبب المنع من العودة، فوفق شهادة عدة شهود، توجد خمس قرى يمنع سكانها من العودة نهائياً، هذه القرى هي (جيلية – درويشة راجو – شيخ روز – جلبل – باصلحايا) وسبب المنع وجود قواعد عسكرية تركية. حتى أن قيامهم بجني محصول الزيتون يخضع لإجراءات وموافقات معقدة. وقد تقدم الأهالي بشكوى إلى مديرية المنطقة، فكان الجواب إن هذا الموضوع يتبع لوزارة الدفاع التركية، ولا نستطيع فعل شيء.
التحليل القانوني:
يتضح من الممارسات والشهادات، أن موضوع الاستيلاء على أملاك المهجرين من عفرين مازال مستمراً، وتعرض العائدين إلى الابتزاز والتهديد، ويترافق ذلك مع غياب آليات الشكوى والتظلم. وفي معظم الحالات يكون المنتهك مرتبطاً بالقوى العسكرية مما يمنع أصحاب الحقوق من الوصول لحقوقهم. كما أن المستوى الجسيم من الانتهاكات الذي تعرض له أهالي عفرين طيلة السنوات السابقة جعلهم يفقدون الثقة بمؤسسات الدولة، حتى أنهم في الكثير من الأحيان يرون هذه الجهات مراكز انتهاك وليست مراكز حماية.
ومن مجمل ما تقدم نجد أن هذه الانتهاكات تشكل خرقاً للإعلان الدستوري والقانون السوري، والقانون الدولي.
فقد نص الإعلان الدستوري في المادة /١٦/ على أن ” حق الملكية الخاصة مصون، ولا تُنزع إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل”
كما أن القانون السوري ينص على أن غصب العقار يشكل جرماً جزائياً عقوبتها الحبس، كذلك فإن القانون السوري يعتبر أن الاستقواء بالمنصب العسكري أو المدني يشكل جرم صرف نفوذ وعقوبته مشددة.
كذلك يجرم القانون السوري أفعال التهديد والافتراء، وغيرها من الجرائم التي يرتكبها غاصبو منازل أهالي عفرين.
من جهة أخرى تشكل هذه الأفعال انتهاكات من وجهة نظر القانون الدولي، سواء القانون الدولي لحقوق الإنسان، أو القانون الدولي الإنساني.
وأخيراً .. إن عدم قيام السلطات بواجباتها تجاه المجتمع، يفقدها مشروعيتها.
التوصيات:
إلى السلطة في سوريا:
١ – اتخاذ جميع الإجراءات الكفيلة بضمان عودة المهجرين من عفرين إلى مساكنهم، وتهيئة وصولهم بدون الحاجة إلى شكوى، وتأمين حمايتهم من أي تعرض من قبل الغاصبين.
٢ – اتخاذ جميع الإجراءات وفق القانون بمساءلة غاصبي العقارات ومحاكمتهم، وضمان تعويض أصحاب المساكن عن المدة التي شغلها الغاصبون.
٣ – ضمان استقلال القضاء بما يوفر بيئة آمنة للشكوى والتظلم، والانصاف.
٤ – منع القوى العسكرية والأمنية من التعرض للمواطنين، واتخاذ كافة الإجراءات التي تضمن المساءلة لهم في حال ارتكابهم أي تجاوزات.
٥ – ضمان تشميل جميع الضحايا في مسار العدالة الانتقالية، بما يضمن محاكمة المنتهكين من الجيش الوطني، وضمان جبر ضرر الضحايا.
٦ – ضمان قيام هيئة المفقودين الوطنية بكشف مصير المفقودين في سجون الفصائل خلال السنوات السابقة.
٧ – مناهضة خطاب الكراهية الموجه ضد الكرد، وتفعيل آليات المحاسبة.
إلى المنظمات السورية والدولية:
١ – تركيز الجهود لمساعدة العائدين إلى عفرين بما يضمن عودة كريمة أمنة، وتأمين احتياجاتهم الأساسية.
٢ – توثيق أي انتهاكات تقع على العائدين، ومناصرة قضاياهم.
٣ – تأمين الدعم القانوني للعائدين، وجميع الضحايا في عفرين.
٤ – تأمين الدعم الطبي والنفسي والاقتصادي، بما يساهم في ترميم الجراح العميقة التي تسببت بها الانتهاكات الواسعة في عفرين.
٥ – زيادة اهتمام المنظمات الدولية بفضح انتهاكات الجيش الوطني في عفرين، والعمل على مساءلتهم على المستوى السوري والدولي.
إلى الآليات الدولية:
١ – ضمان استمرار عمل لجنة التحقيق الدولية المنبثقة عن مجلس حقوق الإنسان، وتركيز اهتماهها على الانتهاكات الواقعة في عفرين.
٢ – تركيز اهتمام الآلية الدولية المستقلة والمحايدة IIIM بالانتهاكات الواسعة التي حدثت والمستمرة في عفرين.
٣ – تركيز اهتمام المؤسسة الدولية لشؤون المفقودين IIMP بكشف مصير المفقودين في عفرين، وبشكل خاص المفقودين في سجون ومعتقلات الجيش الوطني.
إلى المجتمع الدولي:
١ – مراقبة حالة حقوق الإنسان، وبشكل خاص الانتهاكات على أساس عرقي، وضمان تنفيذ السلطة في سوريا لالتزاماتها.
٢ – تفعيل المحاسبة وفق الاختصاص العالمي لضمان عدم الإفلات من العقاب، وملاحقة المتورطين من الجيش الوطني المتواجدين في الدول التي تأخذ بهذا النوع من الاختصاص.
٣ – قيام الدولة التركية بواجباتها والتزاماتها بكشف المعلومات عن الانتهاكات التي تورط بها مسؤولون سوريون وأتراك وأدت لانتهاكات في مناطق شمال سوريا.
٤ – التعاون بين الدولة التركية والدولة السورية بما يضمن وصول المهجرين إلى مساكنهم في مناطق القواعد التركية، وضمان تعويضهم.
Lelun Afrin