ما بعد السقوط: الانتهاكات بحق الكُرد في عفرين وحلب خلال المرحلة الانتقالية

تقرير توثيقي وتحليلي وقانوني حول أبرز الانتهاكات المرتكبة بحق الكُرد في عفرين وحلب خلال المرحلة الانتقالية في سوريا

الملخص التنفيذي

يوثق هذا التقرير أوضاع السكان الكرد في عفرين ومدينة حلب، ولا سيما في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، خلال الفترة اللاحقة لسقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024. ويستند إلى شهادات مباشرة ومقابلات معمقة مع ضحايا وشهود، إضافة إلى مراجعة مصادر حقوقية سورية ودولية، بهدف تقييم أثر التحولات السياسية والعسكرية على واقع حقوق الإنسان في المناطق محل الدراسة.

وينطلق التقرير من فرضية مفادها أن تغير السلطة السياسية لا يؤدي بالضرورة إلى إنهاء الانتهاكات أو تفكيك البنى التي سمحت بحدوثها واستمرارها. ولذلك لا يقتصر على توثيق الوقائع، بل يسعى إلى تحليل الأنماط المتكررة والعوامل البنيوية المرتبطة بها، من خلال مقارنة الانتهاكات الموثقة بعد سقوط النظام بما سبق توثيقه خلال السنوات الماضية في مناطق سيطرة الجيش الوطني السوري، ولا سيما في عفرين.

وتكشف الشهادات والوقائع الموثقة استمرار عدد من الانتهاكات – وإن كانت أقلّ وطأة من حيث اتساع النطاق والتأثير – من بينها الاعتقال التعسفي والاحتجاز خارج القانون، والتعذيب وسوء المعاملة، والإخفاء القسري، والخطف مقابل الفدية، والاستيلاء على الممتلكات والابتزاز المرتبط بها، والقتل خارج نطاق القانون، إضافة إلى مؤشرات على استمرار مخاطر التمييز أو الاستهداف المرتبط بالانتماء القومي الكردي. كما تظهر الوقائع أن عدداً من الضحايا ما زال يواجه صعوبات في الوصول إلى العدالة أو معرفة مصير أقاربه المحتجزين أو المفقودين أو استعادة حقوقه وممتلكاته.

ولا يخلص التقرير إلى وجود تطابق كامل بين المرحلة السابقة والمرحلة اللاحقة لسقوط النظام، إذ تشير المادة الموثقة إلى تراجع نسبي في كثافة بعض الانتهاكات مقارنة بسنوات سابقة. غير أن هذا التراجع لم يترافق مع إصلاحات مؤسّسية كافية أو مع إنشاء آليات فعالة للمساءلة وجبر الضرر وضمان عدم التكرار.

ويخلص التقرير إلى أن المرحلة الجديدة لا تمثل قطيعة كاملة مع أنماط الانتهاكات السابقة في المناطق محل الدراسة. فبينما تراجعت بعض الممارسات من حيث الحجم أو الانتشار، ما تزال عوامل الخطر البنيوية قائمة، بما في ذلك هشاشة سيادة القانون وضعف المساءلة واستمرار محدودية الحماية الفعلية للمدنيين. ومن ثم، فإن ضمان عدم تكرار الانتهاكات يتطلب معالجة الأسباب البنيوية التي سمحت بحدوثها، وتعزيز المساءلة وحماية حقوق الضحايا، إلى جانب تطوير آليات فعالة للحقيقة والإنصاف وجبر الضرر.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المحتويات

مقدمة. 2

المنهجية. 2

الخلفية والسياق.. 3

الاعتقال التعسفي والاحتجاز خارج القانون. 6

التعذيب وسوء المعاملة والإخفاء القسري.. 7

الخطف مقابل الفدية والابتزاز المرتبط بالاحتجاز. 9

الاستيلاء على الممتلكات والابتزاز المرتبط باستعادتها 11

القتل خارج نطاق القانون. 13

التحليل والتكييف القانوني.. 14

التوصيات.. 20

 

مقدمة

شكّل سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 لحظة مفصلية في التاريخ السوري المعاصر، وأعاد طرح أسئلة جوهرية تتعلق بمستقبل حقوق الإنسان وسيادة القانون والعدالة في البلاد. فبعد سنوات طويلة من النزاع والانتهاكات الجسيمة، برزت آمال واسعة بإمكانية الانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على احترام الحقوق والحريات وتعزيز المساءلة وإنصاف الضحايا.

إلا أن تجارب الانتقال السياسي في العديد من السياقات تشير إلى أن تغيير السلطة لا يعني بالضرورة زوال آثار النزاع أو اختفاء أنماط الانتهاكات التي ترسخت خلاله. فغالباً ما تستمر بعض الممارسات أو تتخذ أشكالاً جديدة ما لم تُعالج الأسباب البنيوية التي سمحت بحدوثها، بما في ذلك ضعف المؤسسات، وهشاشة سيادة القانون، واستمرار الإفلات من العقاب.

وفي هذا السياق، تكتسب أوضاع السكان الكرد في عفرين ومدينة حلب أهمية خاصة، نظراً لما شهدته هذه المناطق خلال السنوات الماضية من نزاع ونزوح وانتهاكات موثقة أثرت بصورة عميقة على حياة السكان وحقوقهم الأساسية. ومن ثم تبرز الحاجة إلى تقييم واقع الحقوق والحريات في المرحلة الجديدة، ورصد مدى انعكاس التحولات السياسية التي شهدتها البلاد على الحماية الفعلية للمدنيين.

وانطلاقاً من ذلك، يسعى هذا التقرير إلى المساهمة في فهم واقع حقوق الإنسان في المناطق التي يغطيها التقرير خلال المرحلة اللاحقة لسقوط النظام السوري، من خلال توثيق وتحليل الوقائع الميدانية في ضوء السياق الأوسع الذي تشكلت فيه، وبما يدعم الجهود الرامية إلى تعزيز المساءلة وحماية حقوق الضحايا وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

المنهجية

يستند هذا التقرير إلى منهجية نوعية هدفت إلى توثيق وتحليل الانتهاكات التي تعرّض لها المدنيون في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية ومدينة عفرين ومناطق أخرى ذات صلة خلال الفترة التي أعقبت سقوط النظام السوري السابق، ويعتمد التقرير بصورة أساسية على تحليل عشرين شهادة جُمعت من ضحايا مباشرين وشهود عيان وأفراد من أسر الضحايا، ممن عايشوا الأحداث أو تأثروا بها بشكل مباشر.

جُمعت الشهادات من خلال مقابلات فردية شبه مهيكلة استندت إلى أدوات توثيق موحدة، ركزت على ظروف وقوع الانتهاكات، وتحديد الزمان والمكان والأطراف المنسوب إليها ارتكابها، والآثار المترتبة على الضحايا وأسرهم، إضافة إلى احتياجاتهم وتصوراتهم بشأن المساءلة وجبر الضرر. وقد شكّلت هذه الشهادات المصدر الرئيسي للتحليل الوارد في التقرير، لما وفرته من معلومات مباشرة حول الوقائع الموثقة وأنماط الانتهاكات المرتكبة.

ولغرض تعزيز موثوقية النتائج، تمت مراجعة وتحليل عدد من المصادر المفتوحة ذات الصلة، بما في ذلك التقارير الحقوقية الصادرة عن منظمات سورية ودولية، والمواد المنشورة من قبل الجهات الأممية والآليات الدولية المعنية بسوريا، فضلاً عن مراجعة المواد البصرية والوثائق المتاحة كلما أمكن ذلك. كما جرى تقاطع المعلومات الواردة في الشهادات مع مصادر أخرى مستقلة عندما توفرت إمكانية التحقق.

واعتمد التقرير منهجية التحليل الموضوعي لاستخلاص الأنماط الرئيسية للانتهاكات وتحديد أوجه التشابه والاختلاف بين الحالات الموثقة. وركز التحليل على الانتهاكات المرتبطة بـ[القتل خارج نطاق القانون، الاعتقال التعسفي، الإخفاء القسري، التعذيب، التهجير القسري، الاستيلاء على الممتلكات، خطاب الكراهية أو غيرها، إضافة إلى الآثار الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية المترتبة عليها.

وراعى التقرير المبادئ الأخلاقية المعتمدة في توثيق انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك الحصول على الموافقة المستنيرة من المشاركين/ات، واحترام السرية والخصوصية، واتخاذ التدابير اللازمة لحماية البيانات الشخصية وسلامة الضحايا والشهود. كما تم استخدام أسماء مستعارة أو حجب بعض المعلومات التعريفية متى اقتضت اعتبارات الحماية ذلك.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا التقرير لا يدّعي توثيق جميع الانتهاكات التي وقعت خلال الفترة المشمولة، وإنما يهدف إلى عرض وتحليل مجموعة من الحالات والشهادات التي تكشف أنماطاً متكررة ومؤشرات ذات دلالة على طبيعة الانتهاكات المرتكبة وتأثيرها على الضحايا والمجتمعات المتضررة.

الخلفية والسياق

  • عفرين: إرث مستمر من الانتهاكات منذ عام 2018

تمثل عفرين إحدى أكثر المناطق السورية ارتباطاً بالنقاشات الحقوقية المتعلقة بالاحتلال العسكري والنزوح القسري والانتهاكات المرتبطة بالهوية القومية. فمنذ سيطرة فصائل الجيش الوطني السوري المدعومة من تركيا على المنطقة في آذار/مارس 2018 إثر عملية «غصن الزيتون»، شهدت المنطقة تحولات عميقة في بنيتها الأمنية والإدارية والاجتماعية، انعكست بصورة مباشرة على أوضاع السكان المدنيين، ولا سيما السكان الكرد الذين شكلوا تاريخياً الغالبية السكانية في المنطقة.

خلال السنوات اللاحقة، وثقت منظمات حقوقية سورية ودولية، ومنها تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا، وتقرير منظمة العفو الدولية، أنماطاً متكررة من الانتهاكات شملت الاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، والتعذيب، والخطف مقابل الفدية، والاستيلاء على الممتلكات، وفرض الإتاوات، والتضييق على الحقوق الثقافية واللغوية للكرد. كما أشارت تقارير متعددة منها تقرير مشترك مع ليلون إلى أن هذه الانتهاكات لم تكن مجرد حوادث فردية معزولة، بل ارتبطت في كثير من الأحيان ببنية أمنية وعسكرية اتسمت بتعدد الجهات المسيطرة، وضعف الرقابة المؤسسية، وتداخل المصالح العسكرية والاقتصادية.

وأدت هذه الممارسات إلى نشوء بيئة اتسمت بضعف الثقة بالمؤسسات المحلية، وارتفاع مستويات الخوف من الإبلاغ عن الانتهاكات، وتراجع قدرة الضحايا على الوصول إلى العدالة أو استعادة حقوقهم. كما ساهمت في ترسيخ شعور واسع لدى قطاعات من السكان الكرد بأن هويتهم القومية أصبحت عاملاً يزيد من احتمالات تعرضهم لبعض أشكال الانتهاك أو التمييز.

وفي هذا السياق، تحولت عفرين خلال السنوات الماضية إلى مرجع أساسي في التقارير الدولية المعنية بأوضاع حقوق الإنسان في شمال سوريا، وأصبحت المقارنة معها ضرورية عند تقييم أي تطورات لاحقة تمس أوضاع السكان الكرد في مناطق أخرى.

 

  • الشيخ مقصود والأشرفية: الفضاء الحضري للوجود الكردي في حلب

يمثل حيا الشيخ مقصود والأشرفية أحد أهم مراكز الوجود الكردي في مدينة حلب. وخلال سنوات النزاع السوري، اكتسب الحيان أهمية إضافية نتيجة استقبالهما أعداداً كبيرة من النازحين والمهجرين القادمين من مناطق مختلفة، وفي مقدمتها عفرين بعد عام 2018.

وبفعل موقعهما الجغرافي وتركيبتهما السكانية والظروف العسكرية المحيطة بهما، خضع الحيان خلال السنوات الماضية لسلسلة من الترتيبات الأمنية والعسكرية المتغيرة، الأمر الذي جعلهما يتأثران بصورة مباشرة بالتحولات الميدانية والسياسية التي شهدتها محافظة حلب وشمال سوريا عموماً.

وقد أدى ذلك إلى تشكل بيئة تختلف عن البيئة الريفية أو شبه الريفية السائدة في عفرين، لكنها تشترك معها في عدد من عناصر الهشاشة المتعلقة بالحماية القانونية والأمنية. فالسكان الموجودون في الشيخ مقصود والأشرفية وجدوا أنفسهم في كثير من الأحيان عرضة لتأثيرات النزاع الدائر خارج الحيين، سواء من خلال الحصار أو الاشتباكات أو القيود المفروضة على الحركة أو المخاوف المرتبطة بالانتماء السياسي أو القومي.

كما لعب الحيان دوراً مهماً بوصفهما مساحة استقرار نسبي لآلاف المهجرين الكرد الذين فقدوا منازلهم أو ممتلكاتهم في مناطق أخرى. ولذلك فإنّ التطورات الميدانية العسكرية التي طالتها وأفضت إلى السيطرة عليها من قبل وزارة الدفاع في الحكومة الانتقالية، أدى إلى انتهاكات عديدة وواسعة وخاصة أن العديد منهم سبق أن تعرضوا للنزوح أو التهجير أو فقدان الممتلكات، وقد أصدرت ليلون ورقة موقف ووقعت على بيانات للتنديد بالعمليات العسكرية والانتهاكات التي طالت المدنيين.

 

 

  • سقوط النظام السوري والتحولات اللاحقة

في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024 شهدت سوريا تحولاً سياسياً وعسكرياً غير مسبوق تمثل في انهيار نظام بشار الأسد بعد أكثر من خمسة عقود من حكم عائلة الأسد، وما يقارب أربعة عشر عاماً من النزاع المسلح الذي أعاد تشكيل الخريطة السياسية والعسكرية للبلاد.

وأثار هذا التطور توقعات واسعة لدى قطاعات كبيرة من السوريين بإمكانية الانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على سيادة القانون واحترام الحقوق والحريات العامة وإنهاء ممارسات الانتهاك والإفلات من العقاب التي طبعت سنوات النزاع الطويلة. كما ارتبطت هذه التوقعات بوعود وخطابات سياسية أكدت أهمية بناء مؤسسات جديدة أكثر خضوعاً للمساءلة وأكثر قدرة على حماية المدنيين.

غير أن تجارب الانتقال السياسي في سياقات النزاع تشير إلى أن تغيير السلطة المركزية لا يؤدي تلقائياً إلى تفكيك شبكات النفوذ المحلية أو البنى الأمنية والعسكرية التي تشكلت خلال سنوات الحرب. ففي كثير من الحالات تستمر الجهات الفاعلة المحلية، أو تستمر الممارسات التي اعتادتها هذه الجهات، حتى بعد حدوث تغيرات واسعة على مستوى الدولة.

ويكتسب هذا البعد أهمية خاصة في شمال سوريا، حيث تعاقبت خلال السنوات الماضية سلطات مختلفة وهياكل أمنية متعددة، في ظل استمرار وجود فاعلين مسلحين محليين وإقليميين، وتداخل الصلاحيات بين مؤسسات رسمية وغير رسمية. ولذلك فإن تقييم أثر سقوط النظام على أوضاع حقوق الإنسان لا يمكن أن يقتصر على دراسة التغيرات السياسية العامة، بل يتطلب فحصاً دقيقاً للواقع الميداني ولتجارب السكان أنفسهم.

ومن هذا المنطلق، ينظر التقرير إلى الفترة اللاحقة لسقوط النظام بوصفها اختباراً عملياً لمدى قدرة التحولات السياسية الجديدة على معالجة إرث الانتهاكات المتراكم خلال السنوات السابقة. فالسؤال الأساسي لا يتمثل فقط فيما إذا كانت الانتهاكات قد استمرت أو تراجعت، بل فيما إذا كانت العوامل التي سمحت بحدوثها قد جرى تفكيكها فعلاً أم أنها ما تزال قائمة بأشكال مختلفة.

  • لماذا المقارنة بين المرحلتين؟

لا تهدف المقارنة التي يجريها هذا التقرير بين ما قبل سقوط النظام وما بعده إلى المساواة بين الفاعلين المختلفين أو إلى افتراض تطابق كامل بين السياقين. بل تنطلق من مقاربة حقوقية تركز على الأنماط والنتائج التي يتعرض لها المدنيون بصرف النظر عن هوية الجهة المسؤولة عنها.

ويستند التقرير إلى فرضية مفادها أن استمرار نمط معين من الانتهاكات، حتى لو تراجعت كثافته أو تغيرت الجهة المنفذة له، قد يشير إلى وجود مشكلة بنيوية أعمق تتعلق بالحكم المحلي أو المساءلة أو الحماية القانونية. ولذلك فإن المقارنة لا تستخدم لإثبات التماثل بين مرحلتين مختلفتين، وإنما لاختبار ما إذا كانت التحولات السياسية قد أدت فعلاً إلى تغيير البيئة التي أنتجت الانتهاكات.

وتظهر نتائج التقرير أن بعض الممارسات التي وثقتها التقارير الحقوقية في السنوات السابقة لم تختف بصورة كاملة بعد سقوط النظام، وإنما استمرت بدرجات متفاوتة وفي سياقات جديدة. ويعزز ذلك أهمية دراسة الاستمرارية والانقطاع معاً، بدلاً من الاكتفاء بوصف المرحلة الجديدة باعتبارها قطيعة كاملة مع الماضي أو امتداداً مطابقاً له.

يكشف التقرير عند تحليل السياق والشهادات الميدانية وربطها بالسياق الحقوقي الأوسع، عن عدد من النتائج الرئيسية التي تساعد على فهم طبيعة أوضاع السكان الكرد في عفرين وحلب خلال المرحلة اللاحقة لسقوط نظام بشار الأسد. ولا تستند هذه النتائج إلى واقعة منفردة أو شهادة بعينها، وإنما إلى الأنماط المتكررة التي ظهرت عبر مجمل الشهادات والوقائع الموثقة.

 

الانتهاكات بحق الكُرد في عفرين وحلب خلال المرحلة الانتقالية

§       الاعتقال التعسفي والاحتجاز خارج القانون

يشكل الحرمان التعسفي من الحرية أحد أكثر أنماط الانتهاكات حضوراً في المادة الموثقة لهذا التقرير. وتكشف الشهادات الواردة من عفرين ومدينة حلب، ولا سيما من حيي الشيخ مقصود والأشرفية، أن الاعتقال لم يكن في كثير من الحالات إجراءً قانونياً يستند إلى أسس واضحة أو ضمانات إجرائية معروفة، بل اتخذ أشكالاً متعددة شملت التوقيف على الحواجز، والاحتجاز أثناء النزوح، والاعتقال من داخل المرافق المدنية والطبية، إضافة إلى احتجاز أشخاص أثناء محاولتهم الفرار من الأعمال القتالية أو على أساس الاشتباه العام والانتماء الفعلي أو المفترض إلى جهات سياسية أو عسكرية معينة.

وتكشف شهادة محمود، وهو طالب جامعي من عفرين كان يقيم في حي الشيخ مقصود، عن اعتقال جماعي طال عشرات الشبان أثناء خروجهم مع المدنيين عبر ممر أعلن عنه باعتباره ممراً إنسانياً. ووفقاً لروايته، جرى توقيف أعداد كبيرة من الشبان بصورة جماعية عند إحدى نقاط العبور الأخيرة، حيث كان عناصر الحاجز يفرزون العائلات ويحتجزون الشبان من دون إجراء استجوابات فردية أو تقديم مبررات قانونية واضحة، مع توجيه اتهامات عامة لهم بالانتماء إلى قوات سوريا الديمقراطية. كما أشار محمود إلى أنّ محاولاته توضيح صفته المدنية كطالب جامعي لم تؤد إلى إطلاق سراحه، بل نُقل إلى الاحتجاز مع آخرين. وتكتسب هذه الشهادة أهمية خاصة لأنها تظهر كيف يمكن لمسارات النزوح أو الإجلاء الإنساني أن تتحول إلى نقاط فرز أمني جماعي تفتقر إلى الضمانات القانونية الأساسية، الأمر الذي يجعل المدنيين عرضة للاحتجاز التعسفي في لحظة يفترض أن يتمتعوا فيها بأعلى درجات الحماية.

كما توثق شهادة مصطفى، وهو عامل في القطاع الصحي، حالة اعتقال جرت داخل مرفق طبي كان يواصل تقديم الخدمات للمدنيين والجرحى خلال فترة الحصار. ووفقاً لإفادته، جرى اقتياده تحت تهديد السلاح من داخل المشفى أثناء قيامه بعمله الطبي، من دون إبراز أي مذكرة توقيف أو اتباع إجراءات قانونية معروفة، قبل نقله إلى الاحتجاز. وتثير هذه الواقعة مخاوف إضافية تتعلق بحماية المرافق الطبية والعاملين فيها، لا سيما في سياقات النزاع المسلح، حيث يفترض أن يحظى العاملون في المجال الطبي بحماية خاصة طالما أنهم يؤدون مهاماً إنسانية أو طبية ولا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية.

وتضيف شهادة رائد بُعداً آخر لهذا النمط، إذ تكشف عن اعتقال أشخاص أثناء محاولتهم الفرار من العمليات العسكرية وما أعقبه من احتجاز متعدد المراحل. فقد أفاد بأنه اعتُقل بعد محاصرة مجموعة من المدنيين أثناء محاولتهم الهروب من منطقة تشهد أعمالاً قتالية، ثم نُقل وهو معصوب العينين ومقيد اليدين إلى أكثر من موقع احتجاز. ووفقاً لروايته، أمضى فترات متفاوتة في أماكن احتجاز مختلفة، بعضها مكتظ بأعداد كبيرة من المحتجزين، من دون أن يتلقى معلومات واضحة بشأن أسباب احتجازه أو مدته أو الجهة المسؤولة عنه. كما أظهرت إفادته أن المحتجزين كانوا يُنقلون بين مواقع مختلفة بصورة تعزز عزلهم عن أي حماية قانونية فعالة وتزيد من هشاشتهم إزاء الانتهاكات الأخرى.

كما تشير الشهادات إلى أن الاحتجاز لم يكن دائماً نتيجة اتهامات جنائية محددة أو أدلة فردية واضحة، بل ارتبط في كثير من الأحيان بالاشتباه العام أو بالخلفية الوظيفية أو الاجتماعية أو بمكان الإقامة أو العمل السابق. وفي هذا السياق، أفاد محمود ورائد بأن استجوابهما تركز بصورة أساسية على علاقتهما السابقة بمؤسسات الإدارة الذاتية أو بالمناطق التي قدما منها، أكثر مما تركز على أفعال محددة منسوبة إليهما. كما أظهرت بعض الإفادات أن مجرد الإقامة في مناطق معينة أو الانتماء إلى بيئات اجتماعية محددة كان كافياً لإثارة الشبهات وحرمان الأشخاص من حريتهم.

وتشير هذه الوقائع مجتمعة إلى توسع دائرة الاشتباه لتشمل فئات واسعة من المدنيين، بما يتجاوز مبدأ المسؤولية الفردية الذي يشكل أحد المبادئ الأساسية لأي نظام قانوني يحترم حقوق الإنسان. كما تكشف أن الاعتقال لم يكن في كثير من الحالات غاية بحد ذاته، بل شكل نقطة البداية لمسار أوسع من الانتهاكات. ففي حالات محمود ومصطفى ورائد، أعقب الاعتقال التعسفي الاحتجاز في أماكن غير معلنة أو غير معروفة بصورة واضحة، وترافق مع العزل عن العالم الخارجي أو مع التعرض لأشكال مختلفة من الضغط وسوء المعاملة. ومن ثم، فإن خطورة هذا النمط لا تنبع فقط من الحرمان غير المشروع من الحرية، بل من كونه المدخل الرئيسي لسلسلة من الانتهاكات المترابطة التي تمس جملة من الحقوق الأساسية للمحتجزين.

§       التعذيب وسوء المعاملة والإخفاء القسري

تكشف الشهادات الواردة في هذا التقرير أنّ الانتهاكات لم تتوقف عند حدود الحرمان التعسفي من الحرية، بل تطورت في عدد كبير من الحالات إلى التعرض للتعذيب أو ضروب مختلفة من المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، إضافة إلى انقطاع أخبار المحتجزين عن أسرهم لفترات متفاوتة أو بقاء مصير بعضهم مجهولاً لفترات طويلة. وتظهر الإفادات أن هذه الممارسات شكلت في كثير من الأحيان امتداداً مباشراً للاعتقال التعسفي، بحيث انتقل المحتجزون من الحرمان غير المشروع من الحرية إلى بيئة مغلقة تتراجع فيها الضمانات القانونية وتزداد فيها مخاطر التعذيب والإخفاء.

وتكشف أربع شهادات (صابر وفخري وجود ورائد) عن أنماط متكررة من التعذيب وسوء المعاملة داخل أماكن الاحتجاز أو أثناء النقل والتحقيق. فقد أفاد صابر بأنه تعرض للضرب والصعق الكهربائي والجلد أثناء التحقيق، قبل أن يوضع في الحبس الانفرادي في ظروف قاسية تميزت بالبرد الشديد والحرمان من الغذاء الكافي. كما ذكر فخري أنه تعرض للضرب والإذلال والحرمان من الطعام والشراب، إضافة إلى تهديدات بالعنف الجنسي ضد زوجته وبناته، وهو ما ترك آثاراً نفسية عميقة عليه استمرت بعد الإفراج عنه.

أما جود، الذي تعرض للخطف والاحتجاز لأيام عدة، فقد وصف تعرضه للضرب بأدوات معدنية والحرق والحرمان من الطعام والنوم، في سياق ممارسة ضغوط على أسرته لدفع فدية مالية مقابل إطلاق سراحه. وتشير شهادته إلى أنّ التعذيب استخدم ليس فقط لإخضاع الضحية، بل أيضاً كوسيلة لترهيب الأسرة وإجبارها على الاستجابة لمطالب مالية. وفي السياق نفسه، أفاد رائد بأنه تعرض للضرب والإهانات أثناء نقله إلى الاحتجاز، كما وصف ظروف احتجاز قاسية اتسمت بالاكتظاظ الشديد ونقص الغذاء والمياه، إضافة إلى توجيه عبارات مهينة ذات طابع قومي استهدفته بسبب هويته الكردية.

كما تظهر الشهادات أن المعاملة القاسية لم تقتصر على العنف الجسدي المباشر، بل شملت أيضاً الإذلال المتعمد والتهديدات والحرمان من الاحتياجات الأساسية. فقد وصف كل من فخري ورائد ظروف احتجاز افتقرت إلى الحد الأدنى من المعايير الإنسانية، بما في ذلك الاحتجاز في أماكن مكتظة، والنقص الحاد في الغذاء والمياه، وغياب الرعاية الصحية المناسبة، الأمر الذي فاقم من معاناتهم الجسدية والنفسية.

وإلى جانب التعذيب وسوء المعاملة، تكشف المادة الموثقة عن حالات انقطعت فيها أخبار المحتجزين عن أسرهم أو بقي مصيرهم مجهولاً لفترات طويلة. وتبرز قضية خالد بوصفها من أكثر الحالات دلالة على ذلك. فبعد إبلاغ أسرته عام 2018 بأنه قُتل، من دون تسليم جثمان أو تقديم دليل يثبت وفاته، بقي مصيره مجهولاً لسنوات. وفي عام 2025 تلقت الأسرة معلومات من أشخاص قالوا إنهم شاهدوه حياً داخل أماكن احتجاز مختلفة، ما أعاد حالة عدم اليقين إلى الواجهة. وبين روايات الوفاة ومزاعم بقائه على قيد الحياة، ظلت الأسرة عاجزة عن الوصول إلى حقيقة مصيره أو مكان وجوده، في ظل غياب أي معلومات رسمية موثوقة.

كما تكشف شهادة رائد عن صورة أخرى من الإخفاء المرتبط بالاحتجاز، إذ أفاد بأنه بقي محتجزاً لشهرين كاملين من دون أن تعرف أسرته مكان وجوده أو مصيره، قبل أن تتمكن لاحقاً من الحصول على معلومات محدودة حول مكان احتجازه. وتظهر هذه الحالة كيف يمكن أن يتحول الاحتجاز غير المعلن إلى فترة من الانقطاع الكامل للمعلومات، تضع الأسر في حالة مستمرة من القلق والعجز.

وتشير هذه الوقائع مجتمعة إلى ترابط وثيق بين الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري. ففي حالات صابر وفخري وجود ورائد، شكل الاحتجاز المدخل إلى التعذيب وسوء المعاملة، بينما تكشف قضية خالد وما رافقها من غموض طويل الأمد كيف يمكن أن يمتد أثر الاحتجاز إلى سنوات من الجهل بالمصير والمعاناة النفسية للأسرة. ومن ثم، لا يمكن النظر إلى هذه الانتهاكات باعتبارها وقائع منفصلة، بل بوصفها حلقات مترابطة ضمن مسار واحد يبدأ بالحرمان غير المشروع من الحرية ويتطور إلى انتهاكات أشد خطورة تمس سلامة الأفراد وكرامتهم وحق أسرهم في معرفة الحقيقة.

§       الخطف مقابل الفدية والابتزاز المرتبط بالاحتجاز

تكشف الشهادات التي جمعها هذا التقرير أن الخطف مقابل الفدية استمر بوصفه أحد أكثر أنماط الانتهاكات خطورة وتأثيراً على السكان المدنيين. وتظهر الوقائع الموثقة أن بعض الضحايا لم يُستهدفوا بسبب أفعال محددة منسوبة إليهم، بل بسبب ما اعتبره الخاطفون فرصة للحصول على مكاسب مالية من أسرهم أو من محيطهم الاجتماعي.

ولا يقتصر أثر هذا النمط على الحرمان غير المشروع من الحرية، بل يمتد إلى تعريض الضحايا للتعذيب وسوء المعاملة، وإجبار العائلات على دفع مبالغ مالية كبيرة تحت ضغط الخوف على حياة أقاربها وسلامتهم. كما يؤدي إلى ترسيخ مناخ من الرعب وانعدام الثقة، ويجعل السكان أكثر عرضة للاستغلال الاقتصادي والأمني في آن واحد.

وتشير الشهادات الموثقة إلى أن الخطف مقابل الفدية لم يكن مجرد نشاط إجرامي منفصل عن السياق العام للانتهاكات، بل ظهر في عدد من الحالات باعتباره امتداداً لمنظومة أوسع من الإفلات من العقاب وضعف الحماية القانونية وغياب المساءلة.

تكشف الوقائع الموثقة أن عدداً من الضحايا تعرضوا للخطف دون وجود ادعاءات جدية بارتكابهم أفعالاً جنائية أو مشاركتهم في أنشطة عسكرية.

وفي بعض الحالات، بدا أن الهدف الرئيسي من عملية الخطف كان الحصول على فدى مالية من العائلة أو الأقارب. وقد أفادت أسر ضحايا بأنها تلقت مطالبات مالية مباشرة مقابل الإفراج عن المحتجزين، أو تعرضت لضغوط متواصلة لدفع مبالغ كبيرة تفوق قدراتها الاقتصادية.

وتشير هذه الوقائع إلى أن بعض الجناة تعاملوا مع الضحايا بوصفهم مورداً مالياً محتملاً، مستفيدين من حالة الخوف والعجز التي تعيشها الأسر عندما يكون أحد أفرادها محتجزاً أو مهدداً.

كما كشفت شهادات أنّ التعذيب لم يكن يستخدم فقط للحصول على معلومات أو اعترافات، بل استُخدم أيضاً في بعض الحالات كوسيلة لإجبار الأسر على دفع الفدية.

فقد أفاد بعض الضحايا بأنهم تعرضوا للضرب المبرح والحرق والإهانة والحرمان من الطعام خلال فترة احتجازهم، فيما كانت أسرهم تتلقى رسائل أو اتصالات تتضمن مطالبات مالية متكررة. وفي حالات أخرى، جرى تصوير المحتجزين أثناء تعرضهم للعنف أو التهديد، ثم إرسال هذه المواد إلى ذويهم بهدف زيادة الضغط النفسي عليهم ودفعهم إلى الاستجابة للمطالب المالية.

وتكشف هذه الوقائع عن تداخل واضح بين التعذيب والابتزاز المالي، حيث يصبح الألم الجسدي والنفسي للمحتجز أداة لإرغام أسرته على الدفع.

كثير من العائلات وجدت نفسها أمام خيارات شبه مستحيلة: إما دفع مبالغ مالية كبيرة لا تملكها، أو المخاطرة بفقدان أحد أفرادها أو تعرّضه لمزيد من الأذى.

وفي سبيل جمع الأموال المطلوبة، اضطرت بعض الأسر إلى بيع ممتلكات أو اقتراض مبالغ كبيرة أو الاستدانة من الأقارب والمعارف. وفي حالات أخرى، بقيت العائلات عاجزة عن توفير المبالغ المطلوبة، ما أدى إلى استمرار الاحتجاز لفترات أطول أو إلى زيادة المخاوف المتعلقة بمصير الضحية.

وتكشف هذه الوقائع أن آثار الخطف لا تنحصر في الضحية المباشرة، بل تمتد لتشمل الأسرة بأكملها، وتؤدي إلى أعباء اقتصادية ونفسية قد تستمر سنوات طويلة بعد انتهاء الحادثة.

تظهر بعض الشهادات التي جمعت لغرض إعداد هذا التقرير أنّ الهوية الكردية كانت حاضرة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في سياق عدد من الوقائع.

ففي بعض الحالات، أشار الضحايا إلى أن الخاطفين استخدموا عبارات أو أوصافاً مرتبطة بانتمائهم القومي أثناء الاحتجاز أو التعذيب. كما أفادت بعض الروايات بأن اختيار الضحايا ارتبط جزئياً بانتمائهم إلى مناطق أو مجتمعات كردية معينة، وهو يشكل مؤشراً إضافياً على استمرار تعرض السكان الكرد لأشكال خاصة من المخاطر والانتهاكات في بعض السياقات.

يتجاوز أثر الخطف مقابل الفدية حدود الحادثة الفردية ليترك تداعيات أوسع على المجتمع المحلي.

فانتشار الخوف من الاختطاف يحد من حرية الحركة ويؤثر في النشاط الاقتصادي والاجتماعي للسكان. كما يؤدي إلى تآكل الثقة بالمؤسسات القائمة وبقدرتها على توفير الحماية أو ضمان العدالة.

وتكشف بعض الشهادات أنّ مجرد انتشار أخبار عمليات الخطف كان كافياً لدفع عائلات إلى تجنب التنقل أو العودة إلى مناطق معينة، أو الامتناع عن المطالبة بحقوقها خوفاً من التعرض لانتهاكات مشابهة.

وتكشف الوقائع الموثقة أن استمرار الخطف مقابل الفدية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بضعف المساءلة وغياب المحاسبة الفعالة، ففي معظم الحالات التي وثقها التقرير، لم يتمكن الضحايا أو أسرهم من الحصول على إنصاف قانوني حقيقي أو معرفة مصير المسؤولين عن الانتهاكات التي تعرضوا لها. كما أن الخوف من الانتقام أو انعدام الثقة بالجهات القائمة على إنفاذ القانون حدّ من قدرة كثيرين على تقديم الشكاوى أو متابعة الإجراءات القانونية.

ويشير ذلك إلى أنّ معالجة هذا النمط من الانتهاكات لا تقتصر على تحرير الضحايا أو الإفراج عن المحتجزين، بل تتطلب معالجة البيئة التي تسمح باستمرار هذه الممارسات وإفلات مرتكبيها من العقاب.

وفي النهاية يمكن القول أن الخطف مقابل الفدية ظل يشكل تهديداً حقيقياً للسكان المدنيين خلال الفترة المشمولة بالتقرير، وتكشف الشهادات أن هذا النمط جمع بين الحرمان غير المشروع من الحرية والتعذيب والابتزاز المالي، وألحق أضراراً جسيمة بالضحايا وأسرهم على المستويات الجسدية والنفسية والاقتصادية.

كما يُظهر التقرير والوقائع الموثّقة فيه أن هذا النمط لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق الأوسع الذي يتسم بضعف الحماية القانونية ومحدودية المساءلة واستمرار آثار النزاع السابقة. ولذلك فإن الحد من هذه الانتهاكات يتطلب إجراءات تتجاوز معالجة الحالات الفردية، لتشمل تفكيك شبكات الابتزاز والخطف، وضمان المحاسبة، وتوفير آليات فعالة لحماية الضحايا وتعويضهم وجبر ضررهم.

§       الاستيلاء على الممتلكات والابتزاز المرتبط باستعادتها

تشير الشهادات التي جمعها بغرض إعداد هذا التقرير إلى أنّ النزاعات والانتهاكات المرتبطة بالممتلكات ما تزال تشكل أحد أكثر الملفات الحقوقية تعقيداً بالنسبة للسكان الكرد في عفرين ومناطق أخرى من شمال سوريا. فعلى الرغم من التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها البلاد، لم يتمكن كثير من المتضررين من استعادة منازلهم أو أراضيهم أو ممتلكاتهم بصورة آمنة ومستقرة، كما استمرت بعض أشكال الابتزاز والضغوط المرتبطة بحقوق الملكية والانتفاع.

وتكتسب هذه الانتهاكات أهمية خاصة لأنها لا تقتصر على الخسائر المادية المباشرة، بل تمتد آثارها إلى مجالات أوسع تشمل الحق في السكن، والحق في العودة، والحق في الاستقرار الأسري والاجتماعي، والقدرة على إعادة بناء الحياة بعد سنوات من النزاع والنزوح.

تكشف المادة الموثقة أنّ عدداً كبيراً من المشكلات التي يواجهها السكان الكرد اليوم تعود جذورها إلى أحداث وقرارات وممارسات وقعت خلال السنوات السابقة.

ففي حالات عديدة، لم تكن المشكلة الأساسية مرتبطة بواقعة استيلاء جديدة فحسب، بل باستمرار آثار عمليات استيلاء أو مصادرة أو إشغال وقعت في مراحل سابقة من النزاع. وقد أدى ذلك إلى تراكم نزاعات معقدة تتداخل فيها قضايا الملكية والانتفاع والنزوح والعودة.

وتشير الشهادات إلى أن كثيراً من المتضررين ما يزالون يعتبرون ملف الممتلكات القضية الأكثر تأثيراً في حياتهم اليومية، نظراً لارتباطه المباشر بالأمن الاقتصادي والاجتماعي للعائلات.

أفاد عدد من الشهود بأنّ العودة إلى المنازل أو الأراضي لم تكن دائماً ممكنة أو آمنة، حتى في الحالات التي لم تعد فيها الأعمال العسكرية دائرة بشكل مباشر.

وفي بعض الوقائع، واجه أصحاب الممتلكات عراقيل مختلفة حالت دون تمكنهم من استعادة السيطرة الفعلية على ممتلكاتهم. كما أشار بعضهم إلى وجود مخاوف أمنية أو ضغوط اجتماعية أو إدارية جعلت العودة أكثر تعقيداً مما كان متوقعاً.

وتكشف هذه الشهادات أن استعادة الممتلكات لا تتوقف على انتهاء الأعمال القتالية أو تغير السيطرة السياسية، بل تتطلب أيضاً وجود آليات فعالة تضمن احترام حقوق الملكية وحماية أصحابها من الضغوط أو التهديدات.

وقد وثّقت ليلون حالات أفاد فيها متضررون بتعرضهم لمطالبات مالية أو ضغوط مختلفة مقابل استعادة ممتلكاتهم أو البقاء فيها أو الانتفاع منها.

وفي بعض الحالات، أشار أصحاب الممتلكات إلى أنهم اضطروا لدفع مبالغ مالية أو تحمل أعباء اقتصادية إضافية من أجل الحفاظ على حقوقهم أو تجنب فقدان ممتلكاتهم بصورة كاملة.

وتشير هذه الوقائع إلى وجود صلة بين ملف الملكية وبعض أشكال الابتزاز الاقتصادي، حيث يتحول الحق في السكن أو الملكية إلى مصدر للضغط على الضحايا أو وسيلة لتحقيق مكاسب مالية غير مشروعة.

ومنذ سيطرة الجيش الوطني على عفرين 2018 تعرّض معظم الأهالي ومنهم المشمولون بهذا التقرير عبر تقديم شهاداتهم لسلسلة من موجات النزوح المتتالية خلال سنوات النزاع، وقد أدى هذا الواقع إلى إضعاف قدرة كثير من الأسر على حماية ممتلكاتها أو متابعة أوضاعها القانونية أو الدفاع عن حقوقها. كما جعل بعض العائلات تفقد وثائق أو مستندات مهمة تتعلق بالملكية نتيجة التنقل المستمر أو الظروف الأمنية الصعبة.

وتظهر هذه الوقائع أن النزوح لم يكن مجرد نتيجة للانتهاكات، بل تحول في كثير من الأحيان إلى عامل يزيد من هشاشة حقوق الملكية ويضاعف احتمالات ضياعها أو التعدي عليها.

في النهاية فإنّ قضية الممتلكات ما تزال واحدة من أكثر القضايا الحقوقية إلحاحاً بالنسبة للسكان الكرد في مناطق عفرين، فعلى الرغم من التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها البلاد، ما يزال عدد كبير من المتضررين يواجه عقبات تحول دون استعادة ممتلكاته أو الانتفاع بها بصورة آمنة ومستقرة.

وتشير الوقائع إلى أن الانتهاكات المرتبطة بالممتلكات لا تقتصر على الخسائر الاقتصادية المباشرة، بل تمتد لتؤثر في حق الضحايا في السكن والعودة والاستقرار وإعادة بناء حياتهم بعد سنوات من النزاع.

ومن ثم فإن أي معالجة جدية لإرث الانتهاكات في هذه المناطق ينبغي أن تضع ملف الممتلكات في صلب جهود العدالة الانتقالية وجبر الضرر وضمان عدم التكرار.

§       القتل خارج نطاق القانون

يعد الحق في الحياة من أكثر الحقوق الأساسية حماية في القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. وتكتسب الانتهاكات التي تمس هذا الحق خطورة خاصة عندما تقع خارج أي إطار قانوني مشروع أو دون إجراءات قضائية أو ضمانات تكفل حماية الأفراد من الحرمان التعسفي من الحياة.

وتشير الوقائع التي تناولها هذا التقرير، إلى جانب السياق الحقوقي الأوسع الذي سبق توثيقه في المنطقة خلال السنوات الماضية، إلى استمرار المخاوف المرتبطة بالقتل خارج نطاق القانون في بعض المناطق التي شملتها الدراسة. وتبرز هذه المخاوف بصورة خاصة في البيئات التي تتداخل فيها العمليات العسكرية مع أعمال الضبط الأمني، أو في الحالات التي يتم فيها التعامل مع أشخاص على أساس الاشتباه أو الانتماء المفترض إلى جهات معينة دون توفير ضمانات قانونية كافية.

وقد وثّقت ليلون عدداً من الوقائع المرتبطة بالقتل أو الوفاة حدثت في سياقات اتسمت بضعف الرقابة وغياب الشفافية وصعوبة التحقق المستقل من جميع تفاصيل الأحداث.

وفي مثل هذه البيئات، يصبح المدنيون أكثر عرضة لخطر الاستخدام غير المشروع للقوة، كما تزداد احتمالات وقوع انتهاكات يصعب التحقيق فيها بصورة فعالة أو محاسبة المسؤولين عنها.

وتظهر التجارب السابقة في المنطقة أنّ غياب المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة يسهم في خلق بيئة تسمح بتكرارها أو استمرارها، بما في ذلك الانتهاكات التي تمس الحق في الحياة.

وتكشف بعض الوقائع التي وردت في الشهادات التي أعدت لغرض إعداد هذا التقرير، عن وجود حالات ارتبط فيها العنف المميت بادعاءات تتعلق بالانتماء الفعلي أو المفترض إلى جهات عسكرية أو سياسية معينة.

ويثير هذا النمط مخاوف جدية من احتمال استبدال الإجراءات القانونية الواجبة بممارسات تقوم على الاشتباه أو التصنيف المسبق، بما يحرم الأفراد من حقهم في المحاكمة العادلة أو الدفاع عن أنفسهم.

ولا يقتصر أثر هذه الممارسات على الضحايا المباشرين، بل يمتد إلى المجتمعات المحلية التي تصبح أكثر عرضة للخوف والامتناع عن ممارسة حقوقها الأساسية نتيجة الخشية من التعرض لانتهاكات مماثلة.

ويترك القتل خارج نطاق القانون آثاراً تتجاوز الخسارة البشرية المباشرة، فإلى جانب فقدان الحياة، تعاني الأسر من آثار نفسية واقتصادية واجتماعية طويلة الأمد. كما تؤدي هذه الانتهاكات إلى تقويض الثقة بالمؤسسات القائمة على إنفاذ القانون، وإضعاف الشعور بالأمان داخل المجتمعات المحلية.

وفي المناطق التي شهدت سنوات طويلة من النزاع والعنف، يساهم استمرار المخاوف المرتبطة بالقتل التعسفي في إدامة الشعور بعدم الاستقرار ويحد من قدرة السكان على إعادة بناء حياتهم بصورة طبيعية.

وتكشف الخبرة الحقوقية المتراكمة في سوريا أن الانتهاكات الأخطر غالباً ما ترتبط بضعف المساءلة أو غيابها، وعندما لا تُجرى تحقيقات مستقلة وفعالة في حالات الوفاة المشبوهة أو الادعاءات المتعلقة بالقتل غير المشروع، تتراجع فرص كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا وأسرهم، كما تتزايد احتمالات تكرار الانتهاكات مستقبلاً.

ولهذا السبب، فإن حماية الحق في الحياة لا تقتصر على منع القتل غير المشروع فحسب، بل تشمل أيضاً ضمان إجراء تحقيقات فعالة ومستقلة في جميع الوقائع التي يثار بشأنها شك معقول بحدوث انتهاك.

التحليل والتكييف القانوني

  • الإطار القانوني الناظم

تخضع الوقائع الموثقة في هذا التقرير لمجموعة من القواعد القانونية المستمدة من القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، إضافة إلى أحكام التشريعات السورية النافذة.

ويشمل الإطار القانوني الدولي ذي الصلة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966، واتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984، والاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لعام 2006، فضلاً عن اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والقواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني ذات الصلة بحماية المدنيين والأشخاص المحرومين من حريتهم والممتلكات المدنية أثناء النزاعات المسلحة. كما يشكل نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية مرجعاً قانونياً مهماً عند تقييم مدى انطباق أوصاف الجرائم الدولية على بعض الوقائع الموثقة.

وتكفل هذه الصكوك القانونية جملة من الحقوق الأساسية، بما في ذلك الحق في الحياة، والحق في الحرية والأمان الشخصي، وحظر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، والحق في الملكية، والحق في المساواة أمام القانون وعدم التعرض للتمييز.

كما تظل هذه الالتزامات واجبة الاحترام من قبل جميع الجهات التي تمارس سلطة فعلية على السكان أو الأراضي، بما في ذلك الجهات المسلحة أو السلطات المحلية التي تضطلع بوظائف أمنية أو إدارية أو احتجازية.

ونظراً لاستمرار النزاع المسلح في أجزاء من الأراضي السورية خلال الفترة التي يغطيها التقرير، فإن أحكام المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع والقواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني المتعلقة بحماية المدنيين والأشخاص المحرومين من حريتهم تظل ذات صلة مباشرة بالوقائع الموثقة.

  • استمرارية أنماط الانتهاكات بعد تغير السلطة

تكشف الوقائع الموثقة أنّ التغيرات السياسية والعسكرية التي شهدتها سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 لم تؤدِ بصورة تلقائية إلى إنهاء أنماط الانتهاكات التي سبق توثيقها بحق السكان الكرد في المناطق محل الدراسة.

وتشير الشهادات والوقائع الموثقة إلى استمرار ممارسات شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز خارج القانون والتعذيب والإخفاء القسري والخطف مقابل الفدية والاستيلاء على الممتلكات، وإن بدرجات متفاوتة مقارنة ببعض الفترات السابقة.

ويعكس استمرار هذه الأنماط وجود فجوة بين الالتزامات القانونية المقررة بموجب القانون الدولي والقانون الوطني وبين مستوى الحماية الفعلية المتاحة للسكان المدنيين، كما يشير إلى أن ضمان عدم التكرار يتطلب إصلاحات مؤسسية فعالة وآليات حقيقية للمساءلة وسيادة القانون.

  • الاعتقال التعسفي والاحتجاز خارج القانون

تظهر المادة الموثقة أن عدداً من حالات الحرمان من الحرية جرى في ظروف افتقرت إلى الضمانات القانونية الأساسية، بما في ذلك غياب الأوامر القضائية الواضحة أو عدم تمكين المحتجزين وأسرهم من معرفة أسباب الاحتجاز أو الطعن في قانونيته.

ويحظر الاعتقال أو الاحتجاز التعسفي بموجب المادة (9) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة (9) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اللتين تشترطان أن يكون أي حرمان من الحرية مستنداً إلى أساس قانوني واضح وأن يخضع للرقابة القضائية وأن يتمتع المحتجز بالضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة.

كما تكشف الوقائع الموثقة أن الاعتقال لم يكن في كثير من الحالات انتهاكاً منفصلاً، بل شكّل مدخلاً لسلسلة من الانتهاكات اللاحقة، بما في ذلك التعذيب وسوء المعاملة والإخفاء المؤقت والابتزاز المالي وحرمان الأسر من معرفة مصير أقاربها، الأمر الذي يزيد من خطورة الحرمان غير المشروع من الحرية وآثاره القانونية والإنسانية.

  • التعذيب وسوء المعاملة

يحظر التعذيب حظراً مطلقاً في جميع الظروف دون استثناء، بموجب المادة (5) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة (7) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984.

وتتضمن الشهادات الموثقة أوصافاً لأفعال تشمل الضرب المبرح والصعق الكهربائي والإهانات والإذلال والحرمان من الطعام أو النوم أو الرعاية الطبية، وهي أفعال قد تشكل، إذا ثبتت عناصرها القانونية والواقعية، تعذيباً أو معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة.

كما أن ظروف الاحتجاز الموصوفة في بعض الحالات قد ترقى بحد ذاتها إلى مستوى المعاملة المحظورة بموجب القانون الدولي إذا بلغت درجة من الشدة أو الحرمان تؤثر بصورة خطيرة في الكرامة الإنسانية أو السلامة الجسدية والنفسية للمحتجزين.

  • الإخفاء القسري والحرمان من الحق في معرفة المصير

تعرف المادة الثانية من الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري الاختفاء القسري بأنه الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية يعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصيره أو مكان وجوده.

وتكشف الوقائع الموثقة عن حالات انقطعت فيها أخبار محتجزين عن أسرهم لفترات متفاوتة أو تعذر خلالها معرفة أماكن احتجازهم أو الجهة المسؤولة عنهم، الأمر الذي يثير مخاوف جدية تتعلق باحترام الحق في معرفة المصير والحق في الحماية القانونية.

ورغم أن توصيف كل حالة يتطلب دراسة مستقلة لعناصرها الخاصة، فإن استمرار غياب المعلومات عن مصير بعض المحتجزين يمثل مؤشراً مقلقاً يستوجب التحقيق والمتابعة.

  • الخطف مقابل الفدية والابتزاز المرتبط بالاحتجاز

تكشف الشهادات الموثقة عن حالات احتجاز أو حرمان من الحرية ارتبطت بمطالب مالية موجهة إلى الضحايا أو أسرهم مقابل الإفراج عنهم أو الكشف عن مصيرهم.

وتنطوي هذه الوقائع على انتهاكات متعددة تشمل الحرمان غير المشروع من الحرية والابتزاز والإكراه النفسي واستغلال حالة الضعف التي تعيشها الأسر.

كما أن استخدام التهديد أو العنف أو التعذيب أو الخوف على سلامة المحتجزين لإجبار الأسر على دفع الأموال يمثل انتهاكاً جسيماً لعدد من الحقوق الأساسية المحمية بموجب القانون الدولي، وقد يشكل في بعض الحالات صورة من صور الاحتجاز غير المشروع المقترن بالابتزاز المالي.

  • الاستيلاء على الممتلكات وحقوق السكن والانتفاع

تحمي المادة (17) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حق الملكية وتحظر الحرمان التعسفي منها. كما تحظر قواعد القانون الدولي الإنساني الاستيلاء غير المشروع على الممتلكات المدنية أو استخدامها أو تدميرها خارج الحدود التي تبررها الضرورات العسكرية المشروعة.

وتكشف الوقائع الموثقة عن استمرار نزاعات وانتهاكات تتعلق بالمنازل والأراضي والممتلكات، فضلاً عن وجود حالات ارتبطت فيها حماية الممتلكات أو استعادتها أو الانتفاع بها بمطالب مالية أو أشكال مختلفة من الضغط الاقتصادي.

كما تشير الشهادات إلى أن النزوح المتكرر وفقدان الوثائق وصعوبة الوصول إلى الممتلكات ساهمت جميعها في زيادة هشاشة حقوق الملكية وإضعاف قدرة المتضررين على حماية حقوقهم أو استعادتها.

  • الحق في الحياة والقتل خارج نطاق القانون

يحمي الحق في الحياة كل من المادة (3) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة (6) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ويحظران الحرمان التعسفي من الحياة في جميع الظروف.

وتشير الوقائع الموثقة إلى وجود حالات وفاة وادعاءات تتعلق باستخدام غير مشروع للقوة أو بوفاة أشخاص في سياقات أمنية أو احتجازية أو عسكرية.

وفي جميع هذه الحالات تلتزم الجهات المسؤولة بإجراء تحقيقات مستقلة وفعالة ونزيهة تكفل كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات وضمان حق الضحايا وأسرهم في العدالة والانتصاف.

  • التمييز والاستهداف المرتبط بالانتماء القومي الكردي

يحظر القانون الدولي جميع أشكال التمييز القائمة على القومية أو الأصل أو الهوية أو الانتماء الإثني، وذلك بموجب المواد (2) و(7) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة (26) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

وتظهر الشهادات الموثقة أن الانتماء القومي الكردي كان حاضراً في عدد من الوقائع، سواء من خلال الإهانات ذات الطابع القومي أو من خلال الخطاب المصاحب لبعض حالات الاعتقال أو التعذيب أو التهديد أو النزاعات المتعلقة بالممتلكات وحقوق العودة.

ورغم أن الوقائع المتاحة لا تسمح بالاستنتاج بأن جميع الانتهاكات ارتكبت حصراً بدافع قومي، فإن تراكم هذه المؤشرات يكشف عن استمرار مخاطر التمييز أو الاستهداف المرتبط بالهوية القومية الكردية ويثير مخاوف تتعلق بالمساواة في التمتع بالحماية القانونية والحقوق الأساسية.

  • الإفلات من العقاب وحق الضحايا في الانتصاف

يُعد الحق في الانتصاف الفعال أحد المبادئ الأساسية في القانون الدولي لحقوق الإنسان، ويشمل حق الضحايا في معرفة الحقيقة والوصول إلى العدالة والحصول على التعويض وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار.

وتكشف الوقائع الموثقة عن استمرار الصعوبات التي يواجهها عدد من الضحايا في الوصول إلى هذه الحقوق، بما في ذلك محدودية المساءلة وصعوبة الوصول إلى المعلومات أو استعادة الحقوق المنتهكة.

وتشير المادة الموثقة إلى استمرار فجوة ملموسة بين المعايير القانونية الدولية وبين الواقع الذي يواجهه عدد من الضحايا في المناطق التي يغطيها التقرير.

  • التكييف القانوني الدولي المحتمل

تشير الوقائع الموثقة، إذا ما أُثبتت بصورة كاملة واستكملت بتحقيقات مستقلة وشاملة، إلى احتمال انطباق عدد من الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.

وتشمل هذه الانتهاكات الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري والخطف مقابل الفدية والاستيلاء غير المشروع على الممتلكات والتمييز القائم على الانتماء القومي.

كما أن بعض الأفعال الموصوفة قد تستدعي، بحسب ظروف كل حالة ومدى توافر العناصر القانونية اللازمة، دراسة مدى انطباق أحكام المادة (7) من نظام روما الأساسي المتعلقة بالجرائم ضد الإنسانية أو المادة (8) المتعلقة بجرائم الحرب.

غير أن التكييف النهائي لأي سلوك بوصفه جريمة دولية يبقى رهناً بتحقيقات قضائية مستقلة ومفصلة قادرة على التحقق من جميع العناصر المادية والمعنوية المطلوبة قانوناً.

  • التكييف في ضوء التشريعات السورية النافذة

تشكل الأفعال التي وثقها هذا التقرير، في حال ثبوتها، انتهاكات لأحكام متعددة من التشريعات السورية النافذة المتعلقة بحماية الحرية الشخصية وسلامة الجسد والملكية الخاصة.

فإن الخطف والحرمان غير المشروع من الحرية والقتل والإيذاء والابتزاز والاستيلاء غير المشروع على الأموال والممتلكات تندرج ضمن الأفعال المجرّمة بموجب قانون العقوبات السوري الصادر بالمرسوم التشريعي رقم (148) لعام 1949 وتعديلاته.

كما أن الأفعال المرتبطة بالتعذيب وسوء المعاملة والاحتجاز خارج الضمانات القانونية تتعارض مع المبادئ الأساسية التي تحكم حماية الحرية الشخصية والإجراءات الجزائية القانونية، وتستوجب التحقيق والمساءلة وفقاً لأحكام القانون الوطني.

وعليه، فإن المسؤولية عن هذه الأفعال لا تستند فقط إلى قواعد القانون الدولي، وإنما تجد أساسها أيضاً في التشريعات الجنائية السورية الواجبة التطبيق.

 

 

  • التكييف في ضوء الإعلان الدستوري للمرحلة الانتقالية

إلى جانب مخالفة الوقائع الموثقة لأحكام التشريعات الجنائية السورية النافذة، فإنها تتعارض مع عدد من الضمانات والحقوق الدستورية الواردة في الإعلان الدستوري للجمهورية العربية السورية الصادر في 13 آذار/مارس 2025.

فقد نصت المادة (12) من الإعلان الدستوري على التزام الدولة بصون حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، كما اعتبرت أن الحقوق والحريات الواردة في المعاهدات والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها الجمهورية العربية السورية تشكل جزءاً لا يتجزأ من الإعلان الدستوري ذاته.

كما تكشف الوقائع الموثقة عن مؤشرات على انتهاك الضمانات الواردة في المادة (18)، التي تنص على صون كرامة الإنسان وحرمة الجسد وحظر الاختفاء القسري والتعذيب المادي والمعنوي، وتحظر توقيف أي شخص أو احتجازه أو تقييد حريته إلا بموجب قرار قضائي، باستثناء حالات الجرم المشهود.

وتثير حالات الاعتقال التعسفي والاحتجاز خارج القانون مخاوف إضافية تتعلق بالضمانات المنصوص عليها في المادة (17)، التي تكفل حق التقاضي والدفاع وطرق الطعن القانونية وتكرس مبدأ افتراض البراءة حتى صدور حكم قضائي مبرم.

كما أن الوقائع المتعلقة بالاستيلاء على الممتلكات أو حرمان أصحابها من الانتفاع بها أو استعادتها قد تتعارض مع المادة (16) من الإعلان الدستوري التي تنص على أن حق الملكية الخاصة مصون ولا يجوز نزعه إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل.

وفيما يتعلق بالوقائع التي تتضمن مؤشرات على التمييز أو الاستهداف المرتبط بالانتماء القومي الكردي، فإنها تثير إشكاليات قانونية في ضوء المادة (10) من الإعلان الدستوري التي تنص على أن المواطنين متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات من دون تمييز بسبب العرق أو الدين أو الجنس أو النسب.

كما تتعارض الانتهاكات الموثقة مع الالتزامات الملقاة على عاتق السلطات العامة بموجب المادة (42) من الإعلان الدستوري، والتي توجب تعزيز سيادة القانون وإعادة بناء المؤسسات العامة وحماية حقوق المواطنين وحرياتهم.

وأخيراً، فإن استمرار الإفلات من العقاب أو تعثر وصول الضحايا إلى العدالة يتعارض مع المبادئ التي أرساها الإعلان الدستوري في المادتين (48) و(49)، واللتين تؤكدان التزام الدولة بتهيئة الأساس القانوني والمؤسسي للعدالة الانتقالية، وضمان المساءلة، وكشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا والناجين، وجبر الضرر الناجم عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

وبناءً على ذلك، فإن الوقائع الموثقة في هذا التقرير لا تثير فقط مسؤولية محتملة بموجب القانون الدولي والتشريعات الجنائية السورية، وإنما تطرح كذلك مسألة مدى التزام السلطات والجهات صاحبة السيطرة الفعلية بالضمانات الدستورية الأساسية التي أقرها الإعلان الدستوري خلال المرحلة الانتقالية.

التوصيات

تكشف الوقائع الموثقة في هذا التقرير أن التغيرات السياسية التي شهدتها سوريا بعد سقوط النظام السوري لم تؤدِ بصورة تلقائية إلى إزالة جميع العوامل التي سمحت بوقوع الانتهاكات أو استمرار آثارها. فبينما تراجعت بعض الممارسات مقارنة بمراحل سابقة، ما يزال عدد من الضحايا وأسرهم يواجهون تحديات جدية تتعلق بمعرفة الحقيقة، والوصول إلى العدالة، واستعادة الحقوق، وجبر الضرر.

وفي ضوء هذه النتائج، تؤكد جمعية ليلون للضحايا أن مسؤولية معالجة الانتهاكات الموثقة لا تقع على عاتق جهة واحدة، بل تمثل التزاماً مشتركاً يقع على عاتق السلطات السورية الانتقالية، والجهات صاحبة السيطرة الفعلية، والهيئات المعنية بالعدالة الانتقالية، والجهات القضائية، والأمم المتحدة والمجتمع الدولي، بما يضمن وضع حقوق الضحايا واحتياجاتهم في صميم أي جهود مستقبلية تتعلق بالمساءلة أو إعادة بناء المؤسسات أو تحقيق الاستقرار.

وانطلاقاً من ذلك، تقدم جمعية ليلون للضحايا التوصيات التالية استناداً إلى ما وثقه التقرير من انتهاكات وما أظهره من تحديات مستمرة تواجه الضحايا والناجين وأسر المفقودين والمتضررين من النزاع.

أولاً: ضمان حق الضحايا في الحقيقة والعدالة

  • الكشف عن مصير جميع المفقودين والمختفين قسراً وضمان حق أسرهم في الحصول على معلومات دقيقة وموثوقة حول مصير أقاربهم وأماكن وجودهم.
  • إجراء تحقيقات مستقلة وفعالة في جميع الادعاءات المتعلقة بالاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري والخطف والقتل خارج نطاق القانون، وضمان مساءلة المسؤولين عنها.
  • ضمان مشاركة الضحايا والناجين وأسر المفقودين في أي آليات مستقبلية لكشف الحقيقة أو المساءلة أو العدالة الانتقالية.
  • حماية الضحايا والشهود والناجين من أي أعمال انتقام أو ترهيب قد تعيق مشاركتهم في جهود التوثيق أو المساءلة.

ثانياً: إنهاء الانتهاكات المستمرة ومنع تكرارها

  • وضع حد لجميع أشكال الاحتجاز خارج القانون وإخضاع أماكن الاحتجاز لرقابة قضائية وقانونية فعالة.
  • اتخاذ إجراءات عملية لمنع التعذيب وسوء المعاملة وضمان محاسبة المسؤولين عنها.
  • مكافحة الخطف مقابل الفدية والابتزاز المرتبط بالاحتجاز بوصفه أحد أخطر الانتهاكات التي ما تزال تؤثر على أمن المدنيين وسلامتهم.
  • تعزيز الضمانات القانونية التي تحمي المدنيين من الاستهداف على أساس الانتماء القومي أو الخلفية السياسية أو مكان الإقامة.

ثالثاً: رد الحقوق المتعلقة بالمنازل والأراضي والممتلكات

  • الاعتراف بحق جميع المهجرين والنازحين في استعادة ممتلكاتهم أو الانتفاع بها بصورة آمنة وكريمة وطوعية.
  • معالجة الانتهاكات المتراكمة المتعلقة بالمنازل والأراضي والممتلكات باعتبارها جزءاً أساسياً من مسار العدالة الانتقالية وليس مجرد نزاعات مدنية منفصلة.
  • إزالة العقبات التي تحول دون استعادة الممتلكات أو إثبات ملكيتها أو الانتفاع بها، ولا سيما بالنسبة للمهجرين الذين فقدوا الوثائق أو تعذر عليهم الوصول إليها.
  • وقف جميع أشكال الابتزاز المالي أو الضغوط المرتبطة باستعادة الممتلكات أو الحفاظ عليها.

رابعاً: حماية حقوق السكان الكرد وضمان المساواة

  • ضمان تمتع السكان الكرد بحقوقهم على قدم المساواة مع سائر المواطنين، دون تمييز أو استهداف قائم على الانتماء القومي أو الهوية الثقافية.
  • اتخاذ تدابير فعالة للتصدي لخطاب الكراهية والتحريض والتمييز ضد الكرد.
  • ضمان مشاركة السكان الكرد والضحايا المتضررين من النزاع في النقاشات والعمليات المتعلقة بمستقبل مناطقهم وحقوقهم.

خامساً: العدالة الانتقالية وجبر الضرر

  • ضمان أن تشمل أي عملية للعدالة الانتقالية في سوريا الانتهاكات المرتكبة بحق سكان عفرين والشيخ مقصود والأشرفية وغيرهم من المتضررين من النزاع.
  • تطوير برامج شاملة لجبر الضرر تأخذ في الاعتبار الأضرار الجسدية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية التي لحقت بالضحايا وأسرهم.
  • الاعتراف بمعاناة الضحايا وحقهم في الإنصاف ورد الحقوق وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
  • بناء مؤسسات خاضعة للمساءلة وقادرة على حماية الحقوق والحريات وسيادة القانون بما يضمن معالجة الأسباب البنيوية التي سمحت باستمرار الانتهاكات.

وتؤكد جمعية ليلون للضحايا أن ضمان عدم تكرار الانتهاكات لا يتحقق فقط من خلال وقف الممارسات غير المشروعة، بل من خلال معالجة إرث الانتهاكات المتراكم، وكشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، ورد الحقوق لأصحابها، وبناء منظومة قائمة على العدالة والمساءلة واحترام الكرامة الإنسانية.

لقراءة وتحميل الملف كامل بصيغة PDF اضغط الرابط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *