سوريا: النزوح القسري المتكرر يفاقم معاناة الأهالي في شمال سوريا

تشهد مناطق شمال سوريا موجة جديدة من النزوح القسري، تطال بالدرجة الأولى الأهالي المهجرين سابقاً من مدينة عفرين ومناطق سورية أخرى، في سياق يتسم بتكرار التهجير المترافق بأنماط متعددة من الانتهاكات، وغياب الحلول المستدامة.
وشهدت مناطق شمال شرقي سوريا وحيي الشيخ مقصود والأشرفية موجة نزوح كبيرة، على خلفية التصعيد العسكري الأخير من قبل قوات الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، حيث أُجبرت آلاف العائلات، التي كانت قد غادرت منطقة عفرين قسراً عقب عملية “غصن الزيتون” في 18 آذار/مارس 2018، على التنقل القسري بين عدة مناطق. وبدأت هذه التنقلات من مناطق شهبا، حيث أقامت العائلات في مخيمات ومساكن تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العيش، قبل أن تضطر لاحقاً للنزوح مجدداً نحو مناطق شمال شرقي سوريا، شملت الرقة والطبقة والحسكة والقامشلي وعامودا وديرك وكوباني، إضافة إلى أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب.
وخلال هذه التنقلات المتكررة، تعرض المهجرون قسراً لانتهاكات جسيمة، من بينها انعدام الضمانات الأمنية، والاعتقالات التعسفية، والقتل خارج نطاق القانون، إلى جانب ظروف معيشية قاسية، مما انعكس بشكل مباشر على أوضاعهم النفسية والاجتماعية، وفاقم من هشاشتهم الإنسانية.
وفي هذا السياق، وثّقت جمعية ليلون للضحايا شهادات تُظهر حجم الانتهاكات التي رافقت عمليات النزوح القسري.

تقول (ل.د)، وهي إحدى ضحايا التهجير القسري المتكرر من حي الأشرفية في مدينة حلب لباحث ليلون:
” أُجبرت بتاريخ 7 كانون الثاني/يناير 2026 على مغادرة الحي برفقة عائلتي باتجاه منطقة عفرين، عقب التصعيد الأمني الواسع . خرجنا في فترة المساء ضمن مجموعة ضمت عدة عائلات، وكان من بينهم فتى مصاب بشظية في يده. إلى أن قامت مجموعة تابعة للحكومة السورية بإيقافنا حتى الساعة الرابعة فجراً، وتفتيش هواتفنا الشخصية، والاستفسار عن أسمائنا، قبل أن تعتقل جميع الشبان الموجودين ضمن المجموعة، ثم أقدمت على قتل الفتى الجريح أمام والدته، بزعم أنه مصاب لأنه “عسكري”، رغم توسلات والدته وتأكيدها أنه مدني ولا علاقة له بأي جهة عسكرية.

وتؤكد شهادة أخرى من إحدى ضحايا التهجير القسري، المقيمة في الرقة، حالة قتل أخرى لأحد الشبان، تقول (ف.و) لباحث ليلون:
“انتقلت مع عائلتي إلى مخيمات الرقة عقب نزوحنا القسري من منطقة شهبا قبل نحو عام بعد تهجيرنا من عفرين عقب عملية “غصن الزيتون”، وقد قررنا الخروج برفقة عائلتنا وعدة عائلات أخرى متجهين إلى مدينة القامشلي، إلا أن مجموعة مسلحة اعترضتنا على طريق الرقة – الحسكة، وقامت بإنزال جميع الركاب من السيارة، قبل أن تُقدم على قتل السائق الشاب أمام أعيننا، وإجبارنا على ترديد الشهادة تحت التهديد بقتلنا، إلى أن قدمت مجموعة مسلحة أخرى لاحقاً وسمحت لنا بالمغادرة، دون السماح لنا بأخذ جثة الشاب، في ظل غياب أي ضمانات أمنية للمدنيين على طرق التنقّل. وتشير المعطيات الأولية إلى أن الشاب قُتل على أحد الحواجز المسلحة، في سياق يعكس المخاطر المتزايدة التي يواجهها النازحون خلال تنقلهم القسري، ويؤكد هشاشة أوضاعهم وانعدام الحماية اللازمة لهم.

وفي حالة أخرى من معاناة النزوح القسري المتكرر، وثّقت جمعية ليلون فقدان شاب لحياته يدعى “حسين الناصر” من منطقة عفرين والذي يبلغ من العمر 17 عاماً أثناء رحلة النزوح مع عائلته ووصوله إلى القامشلي في مناطق شمال سوريا. تقول (ي.ر) أحد الشهود المقربين من الضحية:
“لقد تعرض الشاب لنوبات اختلاج شديدة ومتكررة بعد وصوله إلى القامشلي، إزاء البرد والخوف الشديد والضرب الذي تعرض له من قبل مجموعة مسلحة تتبع للحكومة الحالية على الطريق المؤدي للقامشلي، ليفقد حياته بعد ذلك”.

وتقول (ص.أ) حول الانتهاكات التي تعرض لها أقربائها أثناء التصعيد العسكري في الحي من قبل مجموعات مسلحة تتبع للحكومة ، قائلةً:
“تعرضت عائلة من أقربائي كانت متواجدة في حي الشيخ مقصود غربي للتهديد والسرقة من قبل مجموعة مسلحة تتبع للحكومة، بعد أن قاموا بأخذ الرجل وإعادته بعد عدة ساعات ، وهددوا العائلة بقتلهم بالرصاص الحي مقابل تسليمهم كل ما بحوزتهم، لتقوم النساء بتسليمهم كل الذهب والنقود الموجودة في المنزل”.

وفي الآونة الأخيرة، وصلت دفعات جديدة من العائلات النازحة من مناطق الرقة والطبقة إلى مناطق متفرقة في محافظتي الحسكة والقامشلي ومدينة ديرك، ما شكل ضغطاً إضافياً على البنية التحتية والخدمات الأساسية في تلك المناطق. وتشير المعطيات الميدانية لليلون إلى أن غالبية هذه الأسر سبق أن تعرضت للنزوح أكثر من مرة، ولا تزال تعاني من العودة الآمنة إلى مناطقها الأصلية، في ظل غياب الضمانات الأمنية التي تقيها من الاعتقالات أو الانتهاكات، أو تضمن استعادة منازلها وممتلكاتها.

وتواجه الأسر النازحة تحديات كبيرة تتعلق بتشتتها الجغرافي داخل مناطق الوصول، ما يصعب عملية حصر الأعداد الفعلية وتحديد الاحتياجات الأساسية بدقة، ويعيق التنسيق بين الجهات الإنسانية العاملة، ويؤخر إيصال المساعدات العاجلة إلى الفئات الأشد ضعفاً.
إلى ذلك، تعاني العائلات من نقص حاد في المأوى والمواد الأساسية، لا سيما في ظل الظروف الجوية القاسية وانخفاض درجات الحرارة، حيث تواجه صعوبات في تأمين مساكن آمنة، سواء داخل المخيمات أو في أماكن الإقامة المؤقتة. وتشمل الاحتياجات الملحّة توفير الفرش والأغطية، ومواد النظافة الأساسية، وحليب الأطفال، ما يعرّض النساء والأطفال وكبار السن لمخاطر صحية ومعيشية متزايدة.
كما يفرض تزايد أعداد النازحين ضغطاً متصاعداً على الخدمات الصحية والدعم النفسي والاجتماعي، في ظل الحاجة إلى تأمين الأدوية للحالات المزمنة، وتقديم الرعاية للنساء الحوامل والأطفال، إضافة إلى توفير خدمات الدعم النفسي للمتضررين من النزوح المتكرر وما رافقه من أحداث عنيفة.
و ترافق ذلك بموجات خطاب كراهية مدعوم من منصات الحكومة الانتقالية، ومنع الصحفيين المستقلين من تغطية الأحداث، وخطاب تحريضي ديني يتهم الكرد بأنهم (مرتدون) مما يعطي تفويض لمقاتليهم باستباحة الأرواح والأموال حسب مقاطع مرئية تم نشرها من قبلهم.

وفي هذا الإطار، تشدّد جمعية ليلون للضحايا على ضرورة تكثيف الاستجابة الإنسانية المستدامة للأسر النازحة قسراً من قبل المنظمات الدولية والجهات الفاعلة، مع إعطاء أولوية خاصة للفئات الأكثر هشاشة. كما تؤكد على أهمية معالجة آثار النزوح طويل الأمد، بما يضمن كرامة المتضررين وحقوقهم الأساسية، وفي مقدمتها الحق في العودة الآمنة والطوعية والكريمة إلى مناطقهم الأصلية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات المرتكبة بحقهم.

و حذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في سوريا (OCHA) في تقريره من تصاعد موجات النزوح في محافظات حلب والحسكة والرقة منذ منتصف كانون الثاني/يناير 2026، حيث تم تسجيل أكثر من 170 ألف نازح/ة داخليًا، تركز معظمهم في القامشلي والمالكية/ديريك، ما فاقم الضغط على البنية التحتية والخدمات الأساسية.
ورغم تمديد اتفاق وقف إطلاق النار، لا يزال الوضع الأمني هشًا، في ظل اكتظاظ مراكز الإيواء ونقص حاد في المأوى والخدمات الصحية، خاصة للأطفال والنساء الحوامل والمرضعات، ما يؤكد الحاجة إلى استجابة إنسانية عاجلة تضع حماية المدنيين وكرامتهم في صلب الأولويات.

كما حذرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC) في بيانها الأخير حول الوضع القائم في شمال شرقي سوريا من تفاقم أزمة إنسانية مقلقة في شمال شرق سوريا، مؤكدة أن المدنيين يواصلون دفع الثمن الأكبر جراء تجدد الأعمال العدائية، وما رافقها من نزوح متكرر في ظل شتاء قاسٍ ونقص حاد في المياه والتدفئة والرعاية الصحية. وأشارت اللجنة إلى تعرض البنية التحتية المدنية ومراكز الاحتجاز والمخيمات لمخاطر جسيمة، مع مخاوف جدية على سلامة وكرامة المحتجزين وسكان المخيمات، داعية جميع الأطراف إلى حماية المدنيين، تحييد الأعيان المدنية، وضمان وصول إنساني فوري ودون عوائق.

وقد حذرت منظمة اليونيسيف من تصعيد العنف في شمال شرق سوريا في بيانها الأخير أيضاً، بعد أن شهدت محافظات حلب، الحسكة، الرقة، وكوباني تصعيداً أمنياً منذ منتصف يناير 2026، ما أدى إلى نزوح أكثر من 165 ألف شخص، بينهم نساء وأطفال بنسبة 70%، وتضرر المخيمات والبنية التحتية الأساسية مثل الكهرباء والمياه، ما عرض السكان لمخاطر صحية وحماية كبيرة.

وقد أكدت منظمة هيومن ريتس ووتش في تقريرها أيضاً أن التصعيد الأخير في شمال شرق سوريا كشف عن قصور خطير في حماية المدنيين من قبل أطراف النزاع، محذّرة من انتهاكات محتملة للقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك قطع المياه والكهرباء، تقييد وصول المساعدات، والاعتقالات التعسفية.
وأشارت المنظمة إلى تقارير موثوقة عن انتهاكات جسيمة، بينها إعدامات خارج نطاق القانون، وتدنيس جثث، ومخاطر جسيمة تهدد سكان المخيمات ومراكز الاحتجاز، لا سيما في الهول وروج، داعيةً إلى حماية المدنيين، ضمان وصول إنساني فوري دون عوائق، والإفراج عن المحتجزين تعسفاً، وفتح تحقيقات مستقلة في جميع الانتهاكات المزعومة.

وكانت قد أفادت منظمة الهجرة الدولية في تقرير لها أن أكثر من 130 ألف شخص تركوا منازلهم في الرقة والطبقة وعين عيسى في المناطق التي دخلتها قوات وزارة الدفاع السورية، ونزحوا باتجاه مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” شمال شرق سوريا في القامشلي والحسكة، بدافع الخوف من تكرار مجازر الساحل والسويداء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *